عشرة الفجر… تلك الأيام التي هزت العالم تدفق آلاف من الكاسيتات تحمل صوت الإمام الخميني «قدس سره» وتحريضه على التمرد والعصيان ضد الشاه المقبور

منكمك

4

وتحول الحزن على مصطفى إلى مناسبة ليظهر فيها الناس ولاءهم للخميني وتأييدهم له وعداءهم للشاه، وحاول ألوف الإيرانيين اختراق الحدود العراقية الإيرانية لتقديم العزاء للخميني في النجف الأشرف، لكن الشرطة منعتهم وسقط بعض القتلى، فردوا على ذلك بإقامة المآتم في طهران وبقية المدن الإيرانية، وكثرت الوفود لتعزيته، عندها وجه الخميني رسالة إلى مؤيديه تحت عنوان: “لقد سكبنا ما فيه الكفاية من الدموع”، وطالبهم بتعليمات أربعة، أن يقاطعوا المؤسسات الحكومية، وأن يسحبوا كل أشكال التعاون معها، وألا يساهموا في أي نشاط يفيدها، وأن يقيموا مؤسسات إسلامية في جميع المجالات.ولأن فتوى العلماء مقدسة كدماء الشهداء، فإن الإيرانيين أخذوا فتواه على محمل الجد والعمل، واتسع نطاق التظاهر داخل إيران، مع تدفق آلاف من أشرطة الكاسيت تحمل صوت الخميني وتحريضه على التمرد والعصيان.
أُجبر الامام الخميني على مغادرة العراق، فقرر الذهاب إلى الكويت، فصدر أمر بإغلاق الحدود في وجهه، فعاد إلى النجف ومنها إلى دمشق، ثم توجه إلى باريس في [شوال 1397هـ =تشرين الاول1977م] واستقر في بيت صغير في ضاحية نوفل لوشانو على بعد (20) ميلاً غربي باريس، وأصبحت تلك الضاحية الهادئة مقرًا لقيادته لحين عودته إلى إيران. وفي باريس انتقل من زعيم محلي إلى العالمية، وكان وجوده هناك نقطة تحول في تاريخه وفي تاريخ بلاده، فسلطت عليه وسائل الإعلام المختلفة أضواءها، وكان يقضي معظم وقته أمام عدسات التلفاز، أو محاوراً الصحافة، فخلال ثلاثة أشهر قضاها في باريس أدلى بخمسمئة حديث لوسائل الإعلام، وفي إحدى حواراته مع صحيفة “لوموند” الفرنسية تحدث بعدّه زعيما مصلحا رئيسَ دولة متوقعا، فأعرب عن وجهة نظره في القضايا المطروحة على الساحة الإيرانية بمنظور عصري؛ وهو حديث يخرج عن نطاق الوعظ والإرشاد والنقد المبهم للفساد.
تمتع الامام الخميني وأنصاره في باريس بحرية كبيرة، ويبدو أن فرنسا تصرفت بناء على وصية سفيرها في طهران، الذي قال: “إن الشاه قد انتهى، وإن صفحته قد طويت نهائيًا”، وأخذت المعارضة تلقي قيادها له، فأعلن مهدي بازركان –أحد قادة الجبهة الوطنية- أن أغلبية الشعب في إيران قد اختار الإمام الخميني ليكون قائدا لها.
وكانت أشرطة الإمام الخميني المسجلة تحرك الشارع ضد الشاه؛ ففي [ربيع أول 1398هـ=شباط 1978م] خرجت المظاهرات من مساجد “تبريز”، ولم تستطع قوات الأمن السيطرة عليها، فخرجت فصائل من الجيش، وسيطرت على الموقف، وفُرض حصار بري وبحري على المدينة، وزادت حدة المظاهرات في رمضان، وأخذت تطالب بإغلاق المطاعم، والبنوك الربوية. وفي يوم الجمعة [6 شوال1398هـ=8 أيلول 1978م[ وقعت مصادمات بين الشرطة والمدنيين سقط خلالها أربعة آلاف قتيل، وسمي ذلك اليوم “الجمعة الدامي”، وأُعلنت الأحكام العرفية، وفُرض حظر التجول، إلا أن المتظاهرين تحدوا ذلك في مدينة قم، وخرجت المظاهرات وسقط أكثر من ألفي قتيل، وأعلن علماء الشيعة الحداد وامتنعوا عن الخطب، وفي هذا الجو المشحون بالمآسي أقام الشاه حفلات باذخة؛ فكانت سببا في زيادة حدة الغضب الشعبي.
تميز صيف عام 1977 بارتفاع شديد في درجة الحرارة وكأن الطبيعة بدورها تمهد للثورة. وكان النظام يستميت في إبداء ثباته، لكنه كان يتخبط. وارتفعت الأسعار وفرضت ضرائب وعم الفساد. ومنذ بداية1977 كانت نذر العاصفة تلوح في الأفق، وبعد مدة من الصمت بدأت مصادمات في الشوارع بين السافاك والمجاهدين، وكانت الحادثة من الوحشية بمكان وأدانتها حقوق الإنسان في هولندا.ثم انضم المثقفون بكل ثقلهم لينقدوا بدورهم النظام، وتمخضت حركة المثقفين عن تكوين جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في إيران، وانتشرت الجمعيات الإسلامية وبدأت الإضرابات والمظاهرات، وأضربت كلية العلم والصناعة لمدة شهرين. وكانت كل هذه الأعمال تواجه بالقمع والعنف.بدأت المظاهرات في الخارج وهي التي فضحت النظام، وأضربت الجمعيات الإسلامية في فرنسا عن الطعام.وأثناء زيارة الشاه لأمريكا في تشرين الثاني كانت الجماعات الإسلامية قد أعدت للشاه استقبالاً حافلاً، وقبل وصوله بخمسة أيام بدأ إضراب عن الطعام لفت أنظار وسائل الإعلام الأمريكية، وتقاطر الطلاب الإيرانيون من كل الولايات أمام البيت الأبيض، وبمجرد دخول الشاه حديقة البيت الأبيض روعته مجموعة من الطلبة ملثمة بجوارب من النايلون، واضطرت الشرطة الأمريكية إلى إلقاء القنابل المسيلة للدموع. واشتعلت الصحف الأمريكية بهجمة على الشاه:”المجنون الذي لم يعد أهلاً للثقة”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.