ما القصيدة التي لم تكتب بعد؟ ما القصيدة الحلم؟… الشعر هو العالم الذي نخلقه ولا نعيش فيه

يقول الشاعر والروائي العراقي الراحل حسن مطلك: الشاعر: شخص كتبَ قصيدة عظيمة ثم أضاعها!
مقولة مطلك هذه تفتح الباب أمام الكثير من الشعراء للحديث عن القصيدة الحلم، فكلما كتب قصيدة جديدة، غالباً ما يقول الشاعر إنه ما زال لم يكتب قصيدته. بعض الآراء ترى أن الشاعر يكتب قصيدة واحدة في حياته، وكل ما يكتبه فيها بعد تنويعات على نموذجه الأول. فهل يبقى يحلم؟ وهل يمكن أن يصل لحلمه ذاك في يوم من الأيام؟
السؤال الأهم الذي قد يُطرح على أي شاعر: ما القصيدة التي لم تكتبها بعد؟ وهل ما زلت لم تنتج النص الذي كنت تحلم به منذ بداياتك في الكتابة؟
فردوس لا يأتي
يبقى الشاعر مسكوناً بتلك القصيدة، وربما يموت قبل كتابتها، هذا ما يتفق معه الشاعر رعد زامل الذي يرى أنه من الطبيعي جداً أن يكون الشاعر الحقيقي مسكوناً بهاجس التخطي والاستباق. كما أننا ننظر إلى كل ما كتبناه على أنه تمارين للقصيدة المقبلة تلك التي ستظل دائما حلمنا وأملنا المراوغ. وينقل زامل مقولة الاسباني لوركا في هذا الصدد «لم تكتب بعد تلك القصيدة التي تنغرس في القلب مثل سكين»، وبذلك يبدو أن الاقتناع بالنص على أنه المحطة الأخيرة ما هو إلا موت وذبول لروح الشاعر.
كما أن سعي الشاعر الحثيث للأمام ما هو إلا مواصلة للبحث عن تلك القصيدة التي كتبها الشاعر ثم أضاعها بين ركام أيامه؛ بحسب زامل, الذي يضيف أن هناك بين تراكم الصدف المنسي وأمواج حياته الصاخبة لؤلؤة كبيرة هي حجر الرهان الذي لا بد من العثور عليه.
زامل يحلم بكتابة قصيدة بحجم حياته المسلوبة الأيام, «قصيدة يسمع فيها زفيرنا وشهيقنا ونحن نلهث وراء خيط النور الذي تتكالب عليه قوى الظلام. قصيدة تنبثق كبركان على صقيع سنواتنا الباردة. من هنا يمكنني القول إنني ما زلت أحلم بتلك القصيدة الضائعة. إنني بالتأكيد أسير على الطريق المؤدي إليها ولكني لا أعرف متى الوصول؟. كل ما أعرفه أنني طفلها الشريد, طفلها المطرود منها بلا سبب، وأنها ستبقى فردوسي المفقود… فردوسي الذي يلوح لي من مكان سري وبعيد.
تصحّر ذاتي
غير أن مقولة حسن مطلك هذه أصابت الشاعرة أفياء الأسدي بالدهشة، لكنها لم تقف طويلاً عندها، ولم تفكر كثيراً حتى حين أصابها حزنٌ شديد بأنّ هنالك قصائد لم تُكتبْ بعد، «الحقيقة إنني شديدة الطمع في ما يخص الشِعر، وأريد أن اكتب كل القصائد التي لم تُكتب بعد، حيث لم أترك لوناً من ألوان الشِعر إلّا وكتبته لأن الشِعر كالهواء، كالماء، لكل الذي لم نكتفِ من كتابته أو قوله أو التحدث عنه، لكنّ خلاصة ما وصلت إليه هو أن القصيدة التي لم أكتبها حتى الآن هي القصيدة التي لن أكتبها، الوصول إليها كالوصول إلى نهاية الهاوية، لا حراك بعدها للروح ولا للنفس، لا وعي بعدها ولا شعور، لذلك أفضّل عدم الوصول إليها، على الرغم من أن كل قصيدة أكتبها أسعى فيها للوصول لتلك الأخيرة المثالية».
أما عن القصيدة الحلم.. فبحسب الأسدي، فإن كلّ نصّ تُكمله وترضى عنه هو النص الحلم، لم تكن أحلامها قصيرة المدى أو معقدة، مطلقاً. لكن لا شاعر ينجو من تلك الفرحة حين يكمل قصيدة وهو راضٍ عنها، كأنها وليده الذي كبر أمامه وها هو يمشي ويحاول الطيران أيضاً، و»لكنني أحدد الرضا في أنه رضا عن القصيدة التي بين يديّ لا عن الشِعرية، لأن الرضا عن الشِعرية يجعل الشاعر مغلقاً على نفسه ولا تطور في قصيدته وربما يكرر ذاته في كلّ نص مما يصيبه بتصحر على المستوى الذاتي، وعلى مستوى تلقيه أيضاً. وعليه فإن بقاءه غير راضٍ عن شِعريته ومسعاه للوصول لتلك القصيدة المثالية لا تتعارض بتاتاً مع رضاه عن القصيدة التي يكتبها وعدّها حلماً قد أفاق منه ووجد قصيدة تقوله بين يديه وتتلوه في كلّ سطر منها، وبالتالي تشعّ على من حوله وتعيش باحثة عن قصيدة تفوقها شاعرية وعمقاً وجمالاً».
رماد الشعر
في النحو العربيّ أسلوبٌ كتابتيّ يُسمّونه: لغة مَنْ ينتظر، بمعنى أنّ السامع يظلّ منتظراً مزيداً من الكلام.. القصيدة هكذا، برؤية الشاعر شاكر الغزي، هي لغة من ينتظر، بالنسبة لشاعرها ولمتلقيها، يجب أن يظلّ الاثنان ينتظرانها دائماً. تماماً هما كاسترجون وفلاديمير اللذين ينتظران غودو.. القصيدة التي تأتي ولا تأتي.
«شخصياً، كتبتُ عشرات القصائد التي كنت أحلم بها يومَ أمسكت القلم لأول مرة بكفّ ترتعش، وكلّما كتبتُ قصيدة عظيمةً قلتُ: هذه هي قصيدتي الحلم، ثمّ حين تهدأ فورتي، أشعر بأنّ يدي تحكّني ورئتي لم تزل تختنق، فأعلم جيداً أنني لم أكتب قصيدتي الأخيرة بعد!». كلام الغزي هذا، ربما لأنه لا يحبّ النهايات التقليدية حين تتلملم الأحداث فتنتهي الفكرة قبل انتهاء الكلمات. ولذلك فقد حرص وبشدة في جميع قصائده وقصصه وروايته الوحيدة أن يجعل النهايات سائبةً، في محاولة منه لمخادعة المتلقي، فينتهي حيث ما يزال ينتظر. لكن الغزي- في الحقيقة- لا يخادعه! بل «أنقذه، ونفسي قبله، من فخّ قتل الأفكار بالإجهاز عليها كتابةً أو قراءةً أو سماعاً حتى آخر نفَس. لابدّ من ترك شيء صغير يتدلى في آخر الفيلم ليوحي بأنّ هناك جزءاً ثانياً… وليس هذا الفهم خاصاً بي، فهناك من المفكرين والشعراء من يقولون به، فجون كيج مثلاً يقول: «ينوجد الشعر في الحين الذي ندرك فيه أننا لا نملك شيئاً» بمعنى أن الاكتفاء والامتلاء ينفيان الشعر، فمتى ما أحسّ الشاعر أنه كتب قصيدته الأخيرة فإنه لم يعدْ شاعراً.ويرى جان كوكتو أنّ «الشاعر لا يخترع، إنه يستمع» والشاعر الذي لم يعد يسمع، شاعر أصابه الطرش، بل أصابه العدم! على حدّ تعبير ليونارد كوهن: «الشعر هو الدليل على الحياة. وإذا ما كانت حياتك تتوقد جيداً، فالشعر هو الرماد». وهو ذات ما عناه حسن مطلك بقوله: «الشاعر: شخص كتبَ قصيدة عظيمة ثم أضاعها» حسب فهمي، فأنا أرى قصده أن الشاعر كلّما كتب قصيدةً ظنّها قصيدته العظيمة والأخيرة، ولكنه بعد مدةٍ تقتضيها (ثمّ) يضيع تلك القصيدة بمعنى أنه يفرّط في عظمتها التي توهّمها فيبحث عن قصيدة عظيمةٍ جديدةٍ، وهكذا».الشعر في نظر شاكر الغزي، تنّورٌ طينيّ، والقصائد هي أرغفة الخبر الناضجة الساخنة، ولا أحد منا يفضل الخبز البائت على الخبز الساخن المقتطف توّاً من حديقة الحياة الحمراء.
خيوط القصيدة
لا يفهم الشاعر علي فرحان كيف يكتب الشاعر قصيدة عظيمة، حسب مقولة حسن مطلك، صارخاً بوجه السؤال: «يا للهول، شخصٌ يكتب قصيدة عظيمة؟ هذا القول فيه مغالطة عظيمة ونهبٌ شرير للقصيدة التي لا تمنح خاتمها- سرَّها لشخصٍ ينتظرُ صفةً كي تحيل أصابعه لفسائل أو أجراس يقرعها المخلص الأكبر، إيذاناً لعشاءٍ أخير، أو دم يشير إلى مذبحٍ لا يمسه الذباحون- أشخاص ينسون».
المغالطة؛ بحسب علي فرحان، تكمن في شخص لا ينسى، والشاعر عنده ليس ابناً محضاً، إنه مخلص من طراز آخر… يصمت ويقول، يقول ويزمجر برومانسية، يفترس ولا يقتل، يُقتل ولا يموت…إذاً كيف ينسى؟
النسيان يساوي الضياع لدى فرحان، والشاعر لا ينسى ولا يضيّع.. «القصيدة التي لم أكتبها فلن أغامر بكتابتها، إنها مطبوعة كصورة، وشاخصة كبلاد، وغنية بالحياة كامرأة لن تأتي…. منذ سنوات بعيدة قلتُ (المسدس أول القتلى) حينها قصدتُ أن الشعر يُقتل لكنه لا يموت، إنه يذبل تحت حذاء البلاد أو تحت شرفة الحبيبة، لكنه يفاجئ المنتظرين بغيمات لا يحلمون بها وبدموع لا تسيل… الشعر الحي هو حلم ومصائد».
القصيدة عند فرحان تنمو وتتنامى، تدنو وتضيع كطائرة ورقية خيطها بين أصابع الشاعر وفكرتها في الورق، لا خيطها يفلت ولا ورقها يتمزق… قد ينقطع الخيط ولكن نهايته بين أصابع الشاعر. وقد يختفي جسد الطائرة، ولكن ملمسها يشبه قلبه المربوط بأصبع امرأة… القصيدة امرأة خيوطها عديدة لا تنتهي».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.