إجبار الموظفين على الإحالة إلى التقاعد بسبب التقشف ولتقليل دفع الرواتب

باسل عباس خضير

بعد أن دخل البلد في حالة التقشف بسبب الانخفاض الكبير في أسعار النفط التي تعتمد على إيراداتها الموازنة الاتحادية في تمويل النفقات التشغيلية والاستثمارية، ومنها دفع رواتب أكثر من 4 ملايين موظف تبلغ كلفتهم قرابة 5 تريليون دينار شهريا، أخذت المعالجات والمقترحات تأخذ أشكالا مختلفة بعضها صحيح والبعض الأخر مجرد شائعات حتى وان تم إطلاقها من بعض الشخصيات الحكومية والسياسية، لأننا نشهد تصريحات متعددة منها في حدود الرسمية والموضوعية والبعض الآخر غير منضبطة و تعبر عن وجهات النظر لمطلقيها، ومن تلك الآراء ما يدعيه البعض بان معدل عمل الموظف الواحد لا يتجاوز 20 دقيقة يوميا (برغم إنهم لم يجروا دراسة أو مسوحات بهذا الخصوص)، لذا فان الدولة ستقوم بإحالة عدد كبير من الموظفين إلى التقاعد للتخلص من رواتبهم ومخصصاتهم باعتبار إن الرواتب التقاعدية اقل بكثير من الرواتب التي تدفع للمستمرين في الخدمة كل شهر ، ومما أضاف الشعور بالمصداقية لهذه الآراء هو الخروج بتظاهرات واعتصامات ضد التوجهات الخاصة بالإحالة الإجبارية إلى التقاعد حتى في حالة إصدارها بقانون أو قرار .
ونود الإشارة إلى عدم وجود نصوص قانونية تجيز لأية سلطة بإحالة الموظف إجباريا على التقاعد إلا في حالتين وردت في نص المادة 10 من قانون التقاعد رقم 9 لسنة 2014 والنافذ حاليا والتي نصت على :
(تتحتم إحالة الموظف إلى التقاعد في إحدى الحالتين الآتيتين):
أولا : عند إكماله (63) الثالثة والستين من العمر وهي السن القانونية للإحالة إلى التقاعد بغـض النظر عن مدة خدمته ما لم ينص القانون على خلاف ذلك .
ثانياً : إذا قررت اللجنة الطبية الرسمية المختصة عدم صلاحيته للخدمة.
وقد قام عدد من الوزراء (في حينها) بإحالة موظفين إلى التقاعد اعتقادا منهم بان ذلك من ضمن صلاحياتهم ولكن القضاء الإداري ألغى تلك الأوامر وعدها باطلة وتمت إعادة المحالين إلى التقاعد وصرف كامل رواتبهم ومخصصاتهم من تاريخ الإحالة إلى تاريخ العودة باعتبارهم مهيئين للعمل، وهناك أمثلة على ذلك يضيق المجال للدخول في تفاصيلها، كما أوجد قانون التقاعد رقم 27 لسنة 2006 نصين بجواز أحالة الموظف إلى التقاعد احدهما عندما يكون الموظف فائضا عن الحاجة والثاني عند ثبوت عدم كفاءته للعمل حسب معايير الأداء، ولكن هذين النصين تم إلغاؤهما عند تعديل هذا القانون الذي لم يطبق أصلا لأن وزير المالية في وقتها (السيد باقر الزبيدي) رفض تطبيق القانون بأكمله لحين تعديله، وسبب إلغاء النصوص الخاصة بمنح الوزراء صلاحية إحالة الموظفين للتقاعد هو التخوف من استغلال هذه الصلاحية للتفريط بالموظفين أو البطش بهم لاعتبارات سياسية أو مذهبية أو غيرها، والقانون الحالي (رقم 9 لسنة 2014) يعطي الحرية للموظف في إحالته إلى التقاعد بموجب نص المادة 12 من القانون النافذ حاليا وتتضمن:
(أولا: للموظف أن يطلب إحالته إلى التقاعد إذا كان قد أكمل (50) الخمسين سنة من عمره أو كانت له خدمة تقاعدية لا تقل عن (25) خمس وعشرين سنة.
ثانياـ للموظفة المتزوجة أو الأرملة أو المطلقة الحاضنة لأطفالها أن تطلب إحالتها إلى التقاعد وفقا للشروط الآتية:
أ ـ أن لا تقل مدة خدمتها التقاعدية عن (15) خمس عشرة سنة.
ب ـ أن لا يقل عدد أطفالها عن (3) ثلاثة ولا يزيد عمر أي منهم على (15) خمس عشرة سنة .
ج ـ أن تنصرف لرعاية أطفالها.
والتخويل الوحيد الذي سمح بإحالة الموظف إلى التقاعد ورد في نص المادة 12 أعلاه (ثالثاً – للوزير المختص أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة إحالة موظفي الشركات والدوائر الممولة ذاتياً الخاسرة لمدة (3) ثلاث سنوات متتالية إلى التقاعد إذا كانت لديه خدمة لا تقل عن (15) خمس عشرة سنة استثناء من شرط العمر.
وهذا النص لا ينطبق على كل الموظفين وإنما ينطبق على الموظفين في شركات التمويل الذاتي ويحتوي على مجموعة من الشروط منها أن تتحقق خسارة للشركة لثلاث سنوات متتالية وان لا تقل خدمة الموظف عن 15 سنة، مما يعني بأنه لا يجوز إحالة الموظف إلى التقاعد إجباريا بضوء التشريعات النافذة، ولكن مجلس الوزراء بإمكانه تقديم مشروع لتعديل القانون الحالي للتقاعد بتخويل الوزراء صلاحية إحالة الموظفين الفائضين إلى التقاعد بهدف تقليل عددهم وتخفيف العبء عن خزينة الدولة في دفع رواتب ومخصصات الموظفين، ولكن هناك عقبات تعتري إجراء هذا التعديل ونذكر أبرزها:
1.إن الموظفين الذين تم تعيينهم بعد 2003 يشكلون الغالبية العظمى وربما تصل نسبتهم إلى 80 % من مجموع الموظفين، ومن الناحية الفعلية فان مدة خدمتهم تقل عن 15 سنة وأعمارهم هي اقل من 50 سنة مما يعني اتهم سوف لا يتقاضون حقوقا تقاعدية عند إحالتهم إلى التقاعد سوى المكافأة التقاعدية عملا بمضمون المادة 21 من القانون الحالي التي تنص على (أولا– يستحق الموظف الذي يحال إلى التقاعد الراتب التقاعدي إذا كانت لديه خدمة تقاعدية لا تقل عن (15) خمس عشرة سنة ولا يصرف الراتب التقاعدي إلا إذا كان قد أكمل (50) خمسين سنة من عمره وفي كل الأحوال لا يصرف عن الفترة السابقة لتاريخ إكماله السن المذكورة باستثناء حالات الوفاة والاستشهاد والإحالة إلى التقاعد لأسباب صحية والمحالين إلى التقاعد) ، وإحالتهم إلى التقاعد بدون منحهم التقاعدية سينشئ أزمات كبيرة مما يجعل الحكومة تتردد في الإقدام عليه .
إن الموظفين الذين تنطبق عليهم شروط الإحالة إلى التقاعد (الخدمة أكثر من 15 سنة + العمر أكثر من 50 سنة) أغلبهم من أصحاب المهن الخبرات والكفاءات والاختصاص والحرفيين، وان بعضهم يرغب في الخروج إلى التقاعد ولكن دوائرهم تتمسك بهم نظرا للحاجة الحقيقية إلى خدماتهم، ويعني ذلك إن إحالتهم إلى التقاعد يعني إفراغ الجهاز الإداري الحكومي من عناصر التشغيل الأساسية.
إن إحالة أعداد كبيرة من الموظفين (الشباب) إلى التقاعد يعني تعطيل القدرات الشابة وجعل البلد استهلاكيا مما يشجع الهجرة للخارج ويقتل روحية المواطنة ونكران الذات والبذل والعطاء.
إن اغلب الموظفين يمكن الاستفادة من طاقاتهم فهم لديهم الرغبة والقدرة على العمل، ولكن بعض الإدارات تتحمل مسؤولية عدم الاستفادة منهم لان تلك الإدارات هي التي يتوجب إبدالها وإخراجها من الوظيفة العامة وليس مئات الآلاف من المواطنين، فانخفاض إنتاجيتهم هو نتاج العملية السياسية التي جلبت الإدارات على أساس المحاصصة والولاءات بعيدا عن مبدأ الكفاءة وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. إن معظم الموظفين يرفضون إخراجهم ومنحهم المكافأة التقاعدية لان مردوداتها قليلة وتعني فقدان فرصة الوظيفة والذهاب إلى طوابير العاطلين عن العمل، علما بان المادة 22 من قانون التقاعد نظمت احتساب المكافأة (أولا ـ أـ يستحق الموظف الذي تقل خدماته التقاعدية عن 15 خمس عشرة سنة المكافأة التقاعدية وتحتسب وفقا لما يأتي: الراتب الوظيفي الأخير في الخدمة التقاعدية ×2× عدد سنوات الخدمة).في حالة إصدار تشريع بإحالة الموظفين إلى التقاعد ومنحهم راتب الحد الأدنى للتقاعد، فأنهم سيعاملون بمقتضى الفقرة رابعا من المادة 22 من قانون التقاعد ونصها ((أ– يكون الحد الأدنى للراتب التقاعدي للمتقاعد (400,000) دينار أربعمائة ألف دينار شهريا بضمنها مخصصات المعيشة. ب- استثناء من أحكام الفقرة (أ) أعلاه يكون الحد الأدنى للراتب التقاعدي للمتقاعد المحال إلى التقاعد لإكماله السن القانوني (63) سنة من العمر أو المحال إلى التقاعد لأسباب صحية أو المتقاعد المعيل لاثنين من أفراد عائلته أو أكثر (460000) دينار (أربعمائة وستون ألف دينار) شهريا بضمنها مخصصات المعيشة)، وان منح هذا المقدار من الراتب التقاعدي سيسبب مشاكل كبيرة لان الرواتب الحالية أكثر بكثير من راتب الحد الأدنى الذي لا يتوافق إطلاقا مع متطلبات الحد الأدنى للمعيشة داخل العراق)).ويظهر من خلال هذا العرض، عدم وجود غطاء قانوني لإحالة الموظفين إجباريا إلى التقاعد باستثناء حالتي بلوغ السن القانوني (63) سنة والمرض، وان كل من يهدد الموظفين بإحالتهم إلى التقاعد قسرا (إجباريا) يعد إجراء باطلا ويمكن الطعن به لدى جهات الطعن ومنها القضاء الإداري، كما إن احتمالات اقتراح الحكومة لإيجاد تشريعات بتخويل الوزراء صلاحية إحالة الموظفين إجباريا تحتوي على مجموعة من المحاذير والتحفظات، ولكن بالإمكان إيجاد نصوص قانونية معقولة وعادلة لتسريع الخروج المبكر للموظفين إلى التقاعد مع احتفاظهم بالحقوق التقاعدية، بناء على طلبهم الشخصي وليس إجباريا أي برضاهم وليس رغما عنهم، ومنها تقليص سن الإحالة إلى التقاعد بجعله 60 سنة للذكور و58 سنة للإناث بدلا من 63 سنة، وإلغاء أو تقليص القيد الخاص بالعمر لاستحقاق الراتب التقاعدي بجعله 45 سنة بدلا من 50 سنة، وتعديل شرط إحالة الموظفة الأم إلى التقاعد للتفرغ لرعاية أطفالها بجعل عدد الأولاد 2 بدلا من 3.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.