مستقبل العالم والرؤية الإسلامية

هعخهعخه

إن تبيين وجهة نظر الاسلام تجاه مستقبل العالم يتطلب منا الوقوف عند بعض قواعده الكلية الخاصة بمعرفة العالم؛لكي تتضح لنا شفافية رؤية الدين من الحكم العالمي السائد،ورد الأفكار غير الناضجة التي تخللت أوعية الاستكبار العالمي تجاه فكرة نهاية العالم.
اما الأصول والقواعد التي اكدها الدين الإسلامي والتي لها دور كبير في معرفة مستقبل العالم يمكن تلخيصها في النقاط التالية:الغاية الربانية السامية للوجود
إن هناك أهدافاً شريفة وغاية ربانية نبيلة من وراء خلق العالم،ولا وجود للعبث والبطلان في عمل الخالق كما ورد في قوله تعالى:”وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا..” سورة ص،الآية: 27.
ولاشك ان الهدف المرجو من كل شيءهو الوصول الى كمال ذلك الشيء،والكمال الوجودي لعالم الخلقة،هو نيل الدرجات العالية في هذا الكون والابتعاد من النقص والعيب للوصول الى الكمال النهائي وشاطئ السلامة.
التضاد بين الظلم وعالم الخلقة
وهو عدم الانسجام بين الظلم وعالم الخلقة لوجود التضاد والتنافر بين الاثنين،إذ إن الظلم كالسَم القاتل لا يتناسب بتاتاً مع الجهاز الهضمي لنظام الخلقة،فإن بثه في المجتمع يؤدي الى ضياع النظام الحاكم،وبما انه لا يتناسب مع النظام الداخلي السائد في عالم الخلقة، فلا شك انه يتعارض مع الأهداف السامية المرجوة لهذا العالم،ولذا يشكل بنفسه مانعاً كبيراً لتحقق اهدافه كما ورد في قوله تعالى:”ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ..”سورة الروم الآية: 41،”وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ..” سورة المؤمنون، الآية: 71.
حرية المخلوق وعدم عبثية الخلقة
وهنا الانسان كائنُ حرُ ومفكر،ولم يخلق عبثا،او لإشباع غرائزه وشهوته،وإنما هناك أهداف وأغراض شريفة من وراء ظهوره الى الوجود؛لأن لا وجود للعبث أو الجزاف في ساحة حريم الباري تعالى كما ورد في قوله تعالى:”أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى”سورة القيامة، الآية: 36،”أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” سورة المؤمنون، الآية: 115.
الظلم والتعدي متأتيان من جهل الإنسان
الظلم والتعدّي على حقوق الآخرين،بمثابة النار المشتعلة التي لا تتناسب والكمال الانساني السامي،وهاتان المفردتان ـ الظلم والتعدي على حقوق الاخرين- هما اللتان تعملان بشكل جدّي على جهل الانسان بمعرفة الهدف النبيل لعالم الخلقة،هذا الهدف الذي لا يتيسر للإنسان دون الابتعاد عن الظلم الفردي والإجتماعي،المتمثل بالاستبداد،والاستئثار بحقوق الاخرين،والاستعمار؛وهذا الثلاثي المشؤوم يجتمع في مفردة الاستعباد الذي يرغم الناس على العبودية الفردية.
القانون الكلي لا يعتمد على النوادر
حياة الانسان حياة اجتماعية،سواء كان المجتمع يرى بأن الوجود الفردي يختلف عن الوجود الاجتماعي كما يذهب اليه البعض،ام ان المجتمع هو بمثابة تعدد الحيثيات الفردية كما يذهب اليه البعض الآخر؛وعليه يجب البحث عن صلاح الفرد في الحياة الاجتماعية للمجتمع،ولا ننكر وجود اشخاص يعيشون بمنتهى الصفاء والإخلاص في مجتمعات ملوثة،كما اننا لا ننكر وجود افراد يعملون أبشع الرذائل والجرائم بحق أنفسهم والآخرين في المجتمعات التي يسودها النظام الديني؛لأن القانون الكلي لا يعتمد على هذه النوادر وإنمّا النظرة الكلية للعالم هي المهمة في طرح القانون الجامع والكلي.
ضرورة وجود نظام حاكم
لأن تأمين الحياة الاجتماعية السليمة رهن بوجود نظام حاكم،فلا شك ان سيادة الحياة الاجتماعية في مجتمع ما بحاجة الى وجود نظام حكومي عادل؛لأن في حال عدم وجود قانون ودستور واحد،وقائد واحد،وعدم خضوع أفراد هذا المجتمع للقانون والقائد،يؤدي اما الى استحالة استمرار الحياة الاجتماعية،أو استمرار الحياة لكن دون تحقق الهدف والغاية المطلوبة.
وكما ان تعدد القانون والدستور في المجتمع،يؤدي في النهاية الى عدم استقرار النظام الحكومي،كذلك تعدد وكثرة القيادات في المجتمع الواحد- وإن كانت الأوامر تصدر من شورى مركزية لهذه القيادات- سوف تمنع من تحقيق نظام اجتماعي مقتدر ومطلوب.
حاجة المجتمع لقائد نزيه
إن تدوين القانون من شخص معين او مجموعة معينة لا يضمن حقوق ومصالح جميع اطياف المجتمع؛وذلك لان كل فرد او مجموعة،اما يعملان لجر النفع لأنفسهم،او التخبط في معرفة ما ينفع الاخرين وما هو مضر لهم،كما ان القائد الذي يحظى بشعبية كبيرة في مجتمعه،دون التأييد او التسديد الالهي،او لم يكن بطريقة صحيحة وارث إلهي مكتوب، لن يضمن مصالح جميع فئات مجتمعه؛بل نجده يتأثر بالتجاذبات الحزبية والفئوية السياسية منها او الاجتماعية،وينحاز الى طبقة دون اخرى او يقدم مصلحة حزبه على مصالح الآخرين، لذلك سوف لن تحلّ هذه المعضلة في المجتمع دون تأمين الركنين الاصليين في المجتمع وهما الركن السياسي والإجتماعي،والأول يتمثل في القانون والحرية،والثاني في وجود قائد نزيه وحر،فالدستور الذي يكتب بأيادٍ حرة سوف تجده خاليا من الخطأ والتمييز الذي لا محل له،وكأنّه الدستور الإلهي،وفي المقابل القائد الحر هو الانسان النزيه المتحرر من قيود التحزب والفئوية،وقد تعدى حدود إيصال أو إلحاق الضرر بالآخرين.
عالم الخلقة بلا نظام حكومي مثالي
ان عالم الخلقة لم يشهد الى الآن نظاماً حكومياً مثالياً؛والمجتمعات البشرية لم تحظَ بمجتمع مثالي ونزيه؛يعني لم تتحقق الأهداف السامية لعالم الخلقة الى الآن،صحيح أن هناك ايادي خيرة وطيبة عملت على تحقيق الاهداف المرجوة لنظام التكوين والخلقة،وفي هذا المجال نجدها قدمت قرابين في تحقيق هذه الأهداف السامية،لكن لم يحصل الهدف النهائي وهو سيادة العدل والقسط في انحاء العالم،طبعاً العمل الذي بادرت به تلك الأيادي الخيرة يعدَّ أرضية مناسبة لتحقق الاهداف النهائية،وسوف يشكر سعيهم ومجهودهم على أمتثال الأوامر الملقاة عليهم.
الإسلام والحكومة العادلة
وبحسب الأصول التي ذكرت إعلاه فإن الإسلام يبشر بحكومة عادلة تمتد حدودها الى اقصى العالم لتشمل جميع العالم، يقودها اُناس عظماء متحررين من رذائل الدنيا ومغرياتها،لإنهاء ظلم المستكبرين،وتطهير وجه العالم من الطغاة؛وإحقاق الحق ونجاة الفقراء من الواقع المرير الذي هم عليه كما ذكر تعالى في قوله:”وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ” سورة القصص، الآية: 5،وقوله تعالى:”..أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ” سورة الأنبياء،الآية: 105.
برنامج الحكومة الصالحة تطهير الأرض من الظلم
ان برنامج حكومة الثلة الصالحة،انّما هو تطهير الأرض من دنس الظلم،ونجاتها من أي تعدٍّ وطغيان،وإصلاحها لاستقبال القسط والعدل على احضانها؛وبما ان اهم عامل في النجاة من سلطة الشيطان وهوى النفس هو بث روح العبودية لله تعالى في الفرد والمجتمع،فقد رسم الدين الاسلامي واجب المصلحين وورثة الارض في هذه المفردات التي اشارت اليها الاية المباركة في قوله تعالى:”الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ”سورة الحج، الآية: 41،وعليه يمكن تلخيص ما مر علينا من أصول اناطت اللثام عن وجه الرؤية الالهية لمستقبل العالم في:التفاؤل بالمستقبل،ومواجهة الظلم،وتهيئة الأرضية المناسبة للسلام العالمي،والاعتقاد بالأهداف التي تسمو إليها البشرية، والتحرر من اليأس والقنوط،والوقوف ضد انتشار الأسلحة النووية عدا التكنولوجيا النووية السلمية،إضافة إلى الحرب التكنولوجية الهدامة لمبادئ البشرية،وانتظار ظهور المصلح العالمي الحر،وعدم البخل بما نملك من الغالي والنفيس في عصر الغيبة لتوفير أرضية الظهور،والجهاد في سبيل استقرار وترسيخ دعائم حكومة هذا الإنسان الكامل وخلفية الله على ارضه،وتبديل الآلام وآهات الفقراء والمساكين الى حلاوة وسعادة بعد الاقتصاص من الطغاة الذين يكنزون الأموال،تحقيقاً لرضا خالق العالم والكائنات في سيادة العدل والقسط بين البشرية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.