عشرة الفجر… تلك الأيام التي هزت العالم في محرم وفي يوم عاشوراء ذكرى إستشهاد الحسين «عليه السلام» كانت المواجهة النهائية بين الثورة والنظام

اناتنتا

5

تجلى وجه آخر للثورة الإيرانية فقد قام التجار بفتح حساب اكتتابي في أحد البنوك لصرف مرتبات الأساتذة عندما رفضت الحكومة صرف مرتبات الأساتذة المعارضين. وحينها تراجعت الحكومة عن قرارها.
نبهت أحداث تبريز المسؤولين الإيرانيين الموالين للشاه إلى ضرورة البحث عن حلول للمشكلة المتفاقمة في إيران،ومن ثم بدأت وسائل الإعلام تجري نقدا ذاتيا لمؤسسات الدولة، ولنشاط حزب”رستاخيز” الحاكم، بغرض امتصاص الغضب الشعبي الذي شمل طهران وقم وتبريز،غير أن الشاه تمسك بموقفه الرافض للاعتراف بالمعارضة سواءً المعتدلة أم المتشددة،بل وصفهم بالقتلة الخارجين على النظام، وكان هذا الرفض القاطع منه بمثابة الضوء الأخضر للمعارضة لتتحد ضده، متناسية خلافاتها الجوهرية. كذلك رفض الشاه نصائح الجنرال “ناصر مقدم” مدير السافاك بأن يسمح بتكوين أحزاب، وبالعمل على إجراء انتخابات حرة، وتطهير أجهزة الدولة من الفساد.
دفع هذا التعنت السياسي للشاه إلى مطالبة جميع القوى الوطنية بإسقاطه، وشاركها في ذلك كبار التجار أصحاب البازارات (الأسواق التجارية) التي تضم (250) ألف صاحب محل، وكان هؤلاء التجار يتمتعون بعلاقات متينة مع علماء الدين. والمعروف أن الأسواق كانت تغلق أبوابها في إيران عندما يثور التجار، وأن التجار كانوا يعتصمون في المساجد إذا أرادوا إعلان احتجاجهم في مواجهة السلطة، كما أن الشاه قام بسجن ثمانية آلاف تاجر من أصحاب المحال التجارية؛ لذلك ألقى البازار في إيران بثقله وقوته في كفة الخميني ضد الشاه.
وقد امتدت التظاهرات في إيران إلى أربعين مدينة، وقاطع الطلاب الدراسة، ورفض الخميني إجراء أي حوار سياسي مع الحكومة الإيرانية، فسقطت الحكومة، وكُلف رئيس الأركان “غلام رضا أزهري” بتشكيل حكومة جديدة، وتطرق بعض قادة الجيش في عروضهم لإنهاء التظاهرات، فاقترح الجنرال “غلام أوفيسي” حاكم طهران على الشاه تدمير مدينة قم، وتوقع أن يكون ضحايا هذا التدمير مليون قتيل، فلم يوافق الشاه على هذا الاقتراح، فترك أوفيسي البلاد.
قام النظام بتدبير حادثة حرق السينما لتشويه الحركة الشعبية، وكانت النتيجة احتراق أكثر من خمسمئة رجل وامرأة وطفل. وتلكأت الشرطة في عملية الإنقاذ لتزيد من الكارثة، وبعد عدة أيام من الحادث هاجم الناس قسم الشرطة بالفؤوس والمدى مطالبين برأس مدير الشرطة. وكان قد استدعي إلى طهران بعد الحادثة. وقد أدت هذه العملية إلى إفاقة عدد كبير من الذين كانوا مشغولين بحياتهم اليومية.
بعد يوم الجمعة الأسود أراد الامام الخميني أن يزيل هيبة النظام تماماً أمام العالم كله. فدعا إلى الإضرابات حتى وصلت إلى معامل التكرير، فلم يكن تأثيرها محلياً فقط، بل طالت كل بيت في أوروبا الغربية وأمريكا وإسرائيل. فالبترول عصب الحياة.
وكان الإمام الخميني يدعو إلى المواجهة بقوة ولكن مع ضبط النفس والصبر لتجنب حرب أهلية. وكلما قام النظام بافتعال حريق ظناً منه أن الجماهير ستسلب وتنهب ليشوه صورة المعارضة،فإذا به يجد الجماهير تستجيب للخميني وتهرع لإطفاء الحرائق دون سلب أو نهب. وقد بلغت قوة الخميني وتأثيره أن صرح لمراسل النيوزويك: “إن جماهير إيران تكتفي بالتظاهرات حتى الآن، لكنها سوف تلجأ إلى وسيلة أشد عنفاً إذا استدعى الأمر، وأنه قادر على سحق النظام وهو في منفاه”.
عمت الإضرابات، فكل يوم تعلن شركة في القطاع الخاص أنها ستغلق، وأضرب الفلاحون عن العمل في أراضي الدولة. وأضرب عمال الكهرباء مؤقتاً لمدة ساعتين يومياً وهو الوقت الذي تبث فيه نشرة الأخبار. فمنعوا إعلام الشاه من دخول البيوت. وامتنعت الصحف فكان امتناعها ترويجاً للثورة. وبذلك نالت الإضرابات من البنية المالية والاقتصادية لنظام الشاه. وأصدر الشاه خطابه الملتهب: “إن كل ساعة من إضرابكم خدمة لله ولدولة الإسلام”.
وقد فجر الشاه المفاجأة حينما أمر رجال الدين أن يعينوا الفقراء في هذه الإضرابات لأنهم من أوائل المتضررين، فصرف لهم من الأموال الدينية “سهم الإمام”.وهذا يفسر صمود الشعب في إضرابه طوال الأسابيع والشهور. وقام التجار أيضاً بواجبهم في دعم الفقراء على خير وجه.
وفي25 تشرين الثاني أصدر موظفو البنك المركزي قائمة بأسماء الذين قاموا بتهريب أموالهم للخارج من النظام.وبحلول المحرم “الخروج يوم عاشوراء ذكرى استشهاد الحسين” كانت المواجهة النهائية بين الثورة والنظام. فما إن حلت أول ليلة من المحرم حتى ضجت أسطح المنازل بالهتاف”الله أكبر”. كل فرد إيراني جمع أسرته وصعد سطح المنزل ليرى الهلال ويكبر. إنه شهر الشهادة والحرية. وبدأ الإلهاب العاطفي الثوري الديني مرة أخرى.فمن يستشهد في المحرم فسيحشر مع الحسين وشهداء آل البيت. وصرخ الامام الخميني: “إن شهر المحرم هو سيف الله البتار قد وضع في أيدي أتباع الإمام الحسين، وسوف يضرب كما ينبغي بعونه….”
واستمرت التظاهرات وامتلأت الأرض بالدماء، وانقلبت مسيرات التاسع والعاشر من محرم من مظاهرعزاء على آل البيت إلى استفتاء حقيقي يدين النظام ويخلع الشاه ويؤكد زعامة الخميني ويبايعه.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.