العراق؛ الجراح والبلسم..!

يرى بعضهم؛ وهم كثرة كاثرة تطرح آراءها، بلا كثير من تمحيص أو تدقيق، يتناسب مع كثرتها، أن الحقل السياسي يتجه أكثر نحو الانغلاق، وأنه يسير نحو المجهول المعلوم، وهو إنتهاء العراق كوجود، وذلك بتقسيمه الى عدة دويلات، كل دويلة يختص بها مكون بعينه..
هذه الآراء التي تجتاح وسائل الإعلام، وتتفشى بشكل لافت في مواقع التواصل الإجتماعي، لا تتوفر على القدر الكافي من الموضوعية، ولا تنتمي الى المعايير العلمية بالطرح، وذلك لأسباب واضحة، في مقدمتها أن مطلقيها لا يتوفرون على القدر الكافي، لفهم مجريات الأحداث، وإرتباطها بحركة التأريخ، وبالوقائع الجيوسياسية.
هؤلاء الذين يتحدثون برعب عن تقسيم العراق وفنائه، لا ينظرون أبعد من أرانب انوفهم، ولو بسطوا نظرهم أبعد قليلا، لشاهدوا حقائق الميدان، التي تجتث تفكيرهم السقيم؛ فالعراق يتعافى من كبوته يوما بعد يوم، وهو ينتصر بإضطراد متسارع، على الحلف الوهابي البعثي، الذي أخذ أسم تنظيم الدولة الإسلامية.
في ملمح آخر من ملامح فشل هذا التفكير السلبي، فإن أهم سمة سياسية للمرحلة الراهنة، هي استمرار القوى المجاهدة، بالعمل على رسم صورة جديدة إيجابية، واستمرار لعب دور الفاعل الرئيس، في المحافظة على وجود العراق، ككائن حي عمره بعمر التاريخ، برغم أزمة سياسية عامة، رافقتها أزمة إقتصادية، صنعتها السياسات الخاطئة، التي مارستها الحكومات المتعاقبة منذ 2003، وفي ظل تفشي الفساد المالي والإداري والسياسي، وإحجام النخب عن القيام بدورها، بموقف حينا وبدونه أحيانا أخرى.
صحيح أن ذلك أفضى الى اهتزاز ثقة العراقيين، بالحياة السياسية ككل، وهو ما يترجم بتوجس وضعف التفاعلات الشعبية، مع حكومة العبادي، وليس في الأمر غرابة؛ أذا ما جرى تكرار التساؤل، حول ما إذا كانت عملية بناء الدولة تعيش أزمة.
إن الحديث عن أزمة الدولة، أو حتى ضعفها، هو تحليل غير دقيق، لأنه يقيم وضع الدولة من موقع وبآليات وبمنطق حزبي، وليس من موقعها ووفق أولوياتها هي، وهذا ما يجعل القوى السياسية كلما تعيش أزمة، تعتقد أن الدولة تعيش نفس الأزمة!
الحال أن الأمر ليس دائما صحيحا، لكن في حالتنا؛ ينبغي التأكيد على أن قوة الدولة، التي تحدثنا عنها ما هي إلا الوجه الآخر لضعف القوى السياسية، فكون الدولة تهيمن على الحياة السياسية وترسم ملامحها، فذلك دليل قوتها ونجاحها، بالإمساك بكل خيوط و تفاصيل الحياة العامة، على الأخص أقتصاديا وأداريا، مما يضمن استمراريتها، علما بان الاستمرارية هي الهدف الجوهري في الأنظمة، وليس تحقيق الأتفاقات السياسية، ذات الطبيعة التعاقدية؛ والتي ترتبط بها مصائر الحكومات والرؤساء…
إن الدولة العراقية قائمة بمؤسساتها، على الرغم من كل تداعيات المشهد المثيرة، والتاريخ القريب يعطينا نماذج لدول، أوشكت أن تموت، لكن نهضة شعوبها كانت البلسم الذي أعاد لها الحياة، فانطلقت في عملية بناء وإعادة إحياء ما قيل أنه مات..
إن القوى المجاهدة، المتمثلة بفصائل المقاومة الإسلامية، والمتطوعين والحشود الشعبية، هي العناصر التي يتعين قراءة دورها جيدا، في كل مرة يطلب منا فيها تعيين اتجاه هذا الحقل، آخذين بنظر الأعتبار؛ تغيرات الحقل السياسي ، الذي تتداخل فيه عناصر كثيرة.
كلام قبل السلام: الجاهل يؤكد، والعالم يشك، والعاقل يتروى..!
سلام…

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.