ركون إلى الدنيا وابتعاد عن الآخرة ..الغناء لغو حديث يراد به الصد عن سبيل الله وتدمير المجتمعات

ipopo

المراقب العراقي- علي المؤمن

يعيش المجتمع العراقي خاصة والمجتمعات العربية والإسلامية عامة أزمة من السطحية وعدم المبالاة والاكتراث للأمور الجوهرية،وبطبيعة الحال فإن أية أزمة لا تكون وليدة لحظتها ـ وإلا فهي أشبه بالظاهرة منها بالأزمةـ بل لها عوامل وأسباب كثيرة اجتماعية ونفسية ودينية، ومن أخطر الأسباب التي تؤدي إلى انحراف المجتمعات تسطيح الدين وجعله دين تكيات وصوامع لرجال لا يقبلون ولا يتفاهمون مع من يسألهم أو ينقدهم،ما يجعل الناس تعيش في وادٍ ورجال الدين في وادٍ آخر فتنتشر الأزمات والآفات في المجتمعات فتصيّرها متهرئة أكثر ممّا كانت عليه ليزداد التهرؤ يوماً بعد يوم حتى يصل إلى الانحلال والتفكك،وهذا حال كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم..ومن الأزمات الخطيرة التي نحن بصدد معرفة أسبابها والكيفية التي يمكن التصدي بها وعلاجها،أزمة الغناء وانتشار المغاني والبرامج الغنائية التي صيّرت مجتمعاتنا مع الأسف مجتمعات خاوية من العقيدة منجرّة إلى عالم المادة والدنيا لا تبحث سوى عن إشباع غرائزها إلا من رحم ربي.. لذلك كان حوارنا اليوم شيقاً ومفيداً أجابنا فيه متفضلاً كل من الشيخ جاسم الساعدي، والشيخ ميثم العبودي فكانت البداية مع الشيخ الساعدي..
* ما الآثار الاجتماعية للغناء؟ ولماذا حرمه الشارع المقدس؟.
– التحريمات في ديننا الحنيف وفي الأديان السماوية عادة تأتي من طريقين أما عن الله تبارك وتعالى بصورة مباشرة،أو عن الرسول أو النبي وبطبيعة الحال فإنهما(الرسول أو النبي) لا ينطقان من عندهما أنما يبينان أمر الله ولكن بطريقة أخرى غير الطريقة الأولى.وهنالك قسم ثالث تصدر عنه التحريمات في ديننا الإسلامي وخاصة عند أتباع مذهب أهل البيت(ع) وهم الأئمة لأنهم يمثلون ظل الله على الأرض في زمانهم وخلفاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فلذلك فإن ما يصدر عنهم،صادر عن رسول الله(ص) وبالتالي عن الله تبارك وتعالى.وبالنسبة لموضوع الغناء فإن القرآن الكريم ذكر في سورة لقمان في الآية السادسة:”ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين”.إضافة لحديث رسول الله (ص):”الغناء يفسد العقل “،”الغناء يذهب البهاء”،”الغناء يولد الكذب”.لذلك بعد هذا نستطيع أن نلتمس بعض الآثار الاجتماعية للغناء
أولا:إفساد العقل: فأنت عندما تسأل المغني أو المدمن على سماع الغناء ستجده ضعيف الذاكرة جداً وغير قادر على التذكر خاصة في العلوم والمسائل الأكاديمية الحديثة كالجغرافية،والتاريخ وغيرهما من العلوم،وهذا هو ضعف العقل.
ثانياً:الحث على الفجور والمجون: إذ إن الغناء يكون في النوادي والأماكن التي يكثر فيها الفسق والمجون وشرب الخمر،وبالتالي فإن الذين يستمعون الغناء هنالك لا يرتكبون ذنباً واحداً بالاستماع بل عدة ذنوب بداية من الاستماع مروراً بالنظر المحرم الى النساء والاختلاط بهن،وصولاً إلى شرب الخمر والمخدرات وذهاب العقل وإذا ذهب العقل فسد الإنسان وإذ أشيع الفساد ولم يستقبح فسد المجتمع،وبالتالي نجد بالمحصلة أن كل هذه الأمور تكون نتيجة لاستماع الغناء. ولو لاحظنا فإن معظم من يستمع للغناء ويذهب لمجالسه لا يستقبح ولا يستحرم شرب الخمر.
ثالثاً: الركون إلى الخيال دون الواقع: فأنت ترى المغنين ومن يستمعون للغناء متمسكين بالأوهام بعيدين عن العالم الحقيقي يخشون على أنفسهم حتى من مخالطة الناس والجلوس معهم خوفاً من المرض ومن الموت،لأنهم يصنعون عالماً خيالياً وردياً غير حقيقي يعيشون فيه دون عالمنا الحقيقي ودون واقعنا الذي نعيشه والذي يحمل اليوم الكثير من المآسي والآلام والتحديات المحتاجة منا للتضحية فهل من يعيش في عالم الخيال والأوهام قادر على التضحية والقتال أم من يعيش الواقع وهو قريب من الناس ويعيش معهم آلامهم وأفراحهم؟،وخير مثال على كلامنا الحرب اليوم التي نخوضها ضد الإرهاب والإرهابيين من داعش ومن يقف وراءها من قوى الاستكبار،فهل من يقاتل ويضحي في ساحات القتال اليوم هم من المغنين والمطربين أم من المجاهدين المضحين الذين تجد أن معظمهم من الفقراء وضعيفي الدخل؟!.
وبالنسبة للموسيقى فإن بعض الفقهاء ومنهم الإمام الخامنئي (دام ظله) يحللون الموسيقى التي ليس فيها تشبه بالموسيقى المصاحبة لمجالس الغناء او مجالس اللهو،لكن الغناء ومجالس الرقص وآلاته فهي محرمة شرعاً.
* يتهم البعض المسلمين بأن قراءة القرآن الكريم وبعض اللطميات والابتهالات الدينية فيها نغم ومقامات،كيف ترون ذلك؟.
– المقامات اللحنية والصوت الحسن في قراءة القرآن الكريم مشروعة ولا أشكال فيها،يقول رسول الله(ص):”لكلّ شيء حلية، وحلية القرآن الصّوت الحسن”،عن أبي عبد الله الصّادق (عليه السّلام):”كان عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) أحسنَ النّاس صوتًا بالقرآن،وكان السّقّاؤون يمرّون فيقفون ببابه يستمعون قراءته”.واليوم عندما نستمع إلى أطوار قراءة القرآن كالطور المصري والعراقي نجد كيف هي جميلة ورائعة قراءة القرآن وكيف يكون الصوت الحسن جاذباً للناس وداعياً لها للتدبر في آي الذكر الحكيم فالله جل وعلا لم يخلق الصوت الحسن للغناء بل لقراءة القرآن والدعوة إلى سبيله جل وعلا،ولكن هنالك بعض القراءات فيها أشكال يصل حد حرمة الاستماع لها؛لأن فيها لحناً وليست قراءة سليمة ونقصد باللحن الخروج عن مقامات وطرق قراءة القرآن المعروفة أو الاسراع في القراءة بشكل ملفت للنظر ما يجعل الإنسان يطرب ـ والعياذ بالله ـ على تلك القراءة بدل أن يتدبر ويخشع مثلما يفعل بعض القراء اليوم.أما كون الشارع المقدس حرم كل مقام لحني وصوتي في قراءة القرآن فهذا غير سليم لان الشارع المقدس يعلم ما هو يؤدي إلى الفجور والفسق من النغمات فحرمه،وما يؤدي إلى التدبر والخشوع فحلله.كذلك نجد أن قراء القرآن المرموقين اليوم ملتفتون إلى هذه الحقيقة ويراجعون مراجعهم بهذا الخصوص حتى يعرفوا إن كانت قراءتهم سليمة أو لحنوا في بعض المواضع أو أخطؤوا،ذلك لأن معظم قراء القرآن اليوم أناس مؤمنون يعلمون أن ما يقومون به من نشر للقرآن الكريم بصوت حسن ومقامات سليمة توفيق إلهي لا يتأتى لأي أحد.أما عن باقي أسئلتنا فقد أجابنا متفضلاً الشيخ ميثم العبودي،فكان السؤال الأول له:
* بالرغم من أن المذاهب الأربعة تقول بكراهة الغناء،وحرمته مع آلات موسيقية إلا أننا نشاهد انتشاراً واضحاً للغناء وللبرامج التي تسوق له فما هي الأسباب التي أدت لذلك؟.
1: الابتعاد عن الخط الصحيح يؤدي الى الشبهات: وهذا الأمر يمكن توضيحه من خلال ما ذكرتم من أن المذاهب لا تتفق على حرمة الغناء بذاته بل تقول بكراهته إلا مع آلات الموسيقى ــ عدا اتباع مذهب أهل البيت (ع) الذين يقولون بحرمته ابتداءً لوجود آيات وأحاديث تحرم الغناءــ وهذا بطبيعة الحال مدعاة للشبهة بين الناس وإلا الغناء الذي يعرفه الفقهاء بأنه: الترجيع المطرب (كما عن مشهور الفقهاء)، وهو ليس مجرد مد الصوت – وإن مالت إليه النفوس – ما لم ينته إلى حد يكون مطرباً بالترجيع المقتضي للإطراب. والمراد من الترجيع: إدارة الصوت في الحلق،وتقارب حركات الصوت والنفس.لذلك نفهم أن الغناء وإن كان بلا آلة موسيقية فإنه فيه لحناً يدعو إلى طرب،والسؤال ما الفرق بين ما إذا كان الطرب بآلة أم بدونها؟!. لذلك فالفيصل ليس بوجود الآلة أو عدمها إنما بالغناء ابتداءً وهذا رأي مدرسة أهل البيت(ع) التي تحرم الغناء،ولكنها لا تحرم الموسيقى غير المتشبهة بأهل الفسق والفجور،وما أردت قوله أن مثل هكذا فتاوى تدعو الناس إلى الشبهة واختلاط الأمر ومن يقدم على الغناء اليوم يقدم على سماعه مع آلات الطرب غداً،لذلك فالفيصل في النية فمن يريد أن يغني فهو آثم ومن يتشبه صوته مثلاً بأهل الغناء ثم ينهاه أحد عن ذلك وينتهي خوفاً من الله تعالى فهو باحث عن رضا الله جل وعلا،كما إن من يقوم بالغناء اليوم في البلدان العربية أو سواها مثلاً وهو من أتباع المذاهب الأربعة لا يقوم به دون وجود آلات بل مع وجود الآلات فأين هم من فتاوى علمائهم،وهذه هو ما ذكرته من أن الأمر فيه شبه ويلتبس على الناس،أما أتباع مذهب أهل البيت فقد حرموا الغناء ابتداء ولذلك فالأمر واضح وقد أتفق عليه كل علماء الشيعة،ولو أن الناس أتبعوا مذهب أهل البيت(ع) لما وجدوا صعوبة في ذلك ولا شبهة بل لاتجهوا الى قراءة القرآن. فنحن نلاحظ مثلاً أنه في الجمهورية الإسلامية محافل قرآنية وبرامج عامة،وخاصة بالشباب؛وبالتالي فإن الشباب وسواهم من طبقات المجتمع سيكونون واعين متسلحين بالعلم والمعرفة وليس من السهل خداعهم وتضليلهم.
2ـ الهجمة التي يتعرض لها الإسلام: وهي الهجمة الإستكبارية الثقافية التي هي وجه من وجوه الغزو الثقافي والحرب الناعمة،وهذا الأسلوب أكثر تأثيراً بكثير من الحرب المباشرة فهو يضر بالمجتمع من أسسه وخاصة بالنسبة للشرائح الرخوة التي تكون في طور البناء والتشكيل مثل شريحة الشباب لأنها الشريحة الأهم في المجتمع والمجتمع المعطاء والمتحرك يكون عطاؤه وتحركه عن طريق الشباب.وقد أثبتت الدراسات الحديثة وجود مراكز بحوث صهيونية استكبارية هدفها ملء وقت فراغ الشاب العربي والمسلم بكل ما يبعده عن قضيته وحربه ضد الاستكبار والاستكباريين حتى لا يحاول أن يفكر أو ينخرط في العمل الجهادي المقام ويعرف من هو عدوه الحقيقي الجاثم على صدره من زمن طويل.ولذلك فهذه الحرب الناعمة وهذا الغزو الثقافي الغاية منه قتل وقت فراغ الشاب واستمالته للأمور التافهة التي من ضمنها الغناء والمغاني ومجالس الطرب والمجون،ما يجعله ضاراً في الدنيا بلا رصيد أمام الله في الآخرة. أما السؤال الثاني للشيخ فهو عن رؤية إمامنا الخامنئي (دام ظله) للبديل الإسلامي.
* طرح قائد الثورة الإمام الخامنئي (دام ظله) قضية “البديل الإسلامي” في جميع المجالات إذ يقول:”يخشى الغرب الإسلام ويخشى أن يكون الإسلام هو البديل الأيديولوجي لليبرالية”.كيف نفهم ذلك في ضوء طرح بدائل عن الغناء كقراءة القرآن الكريم أو الأدعية المباركة ومجالس العزاء في عاشوراء؟.
– بداية يقول الإمام الخامنئي(دام ظله):”لا يشتبه من يتصوّر أنه يمكن أن يعرف الناس مضامين القرآن والعمل به قبل أن نسعى لنشر تلاوته”.ومن هنا يتضح كيف أن الإمام(دام ظله) يسلط الضوء وبشكل واضح على “التلاوة” ويعطيها أهمية كبيرة بل أنه ينفي امكانية معرفة مضامين القرآن بالنسبة للناس دون أن ننشر تلاوته والتلاوة لا تنشر إلا بفتح المدارس والدورات التعليمية للغة وأحكام التلاوة وهذا ما نشاهده اليوم في الجمهورية ،بل إن الجمهورية تقيم مهرجانات رسمية وغير رسمية لتلاوة القرآن الكريم ومنها “مسابقة الأوقاف الدولية للقرآن”،لذلك فتلاوة القرآن والمحافل القرآنية نعم البديل لسد الفراغ حيث أن الناس وخاصة الشباب عندما يتعلمون القرآن وأحكام تلاوته فسيمتزج القرآن بلحمه ودمه كما في الروايات الشريفة،كذلك إنشاد الأناشيد الدينية والثورية والوطنية وإقامة مجالس العزاء الحسيني بدلاً من الغناء،فهذه البدائل وفقاً للدراسات التربوية والنفسية خير بديل فنحن لا نستطيع أن نقول لكل الشباب لا تفعلوا هذا وهذا حرام وهذا مكروه دون طرح بدائل مقبولة يمكن للشباب خاصة وللناس عامة أن تنفّس بها عن نفسها وطاقتها وأن تتعلم من خلالها ما ينفعها في دنياها وآخرتها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.