فساد يزكم الأنوف !!

عرف البنك الدولي الفساد في تقريرِ التنمية الصادر عام 1997 م بوصفه ( سوء استغلال السلطة العامة من أجلِ الحصول على مكاسب شخصية )، وعرفته منظمة الشفافية الدولية بأنه ( إساءة استعمال السلطة الموكلة لتحقيقِ مكاسب خاصة ). ويمكن القول أنَّ الفسادَ بمختلفِ أنواعه وليد تداخل مجموعة من العواملِ الموضوعية، الَّتِي تتشعب موجباتها بشكلٍ معقد، من بينها ما يتجسد بانحلالِ البناء القيمي وضعف الضوابط الأخلاقية في مؤسساتِ الدولة وعموم المجتمع، ما يفضي إلى تغليبِ المصلحة الفردية على المصلحةِ العامة، الَّتِي يزيد من شدةِ تأثيرها غياب المساءلة بجميعِ أو غالبية صورها.
في ظلِ تصاعد المطالبات الشعبية بضرورةِ تشديد الحكومة الإجراءات التنفيذية، الَّتِي من شأنِها مواجهة الفساد الإداري والمالي الذي استشرى في البلادِ بشكلٍ مخيف في شتى مجالات الحياة ومختلف أجهزة الدولة، بات المثير من فضائحه الَّتِي ما تزال تطرق مسامع فقراء العراق ومعوزيه منذ أعوام أمراً غير مستغرب الحدوث مهما بلغت درجة إثارته، إذ أنَّ خروجَ آلاف المتظاهرين في بغداد والمحافظات احتجاجاً على سوءِ الخدمات ومحاسبة المفسدين، فضلاً عن تبنيَ الحكومة العراقية جملة إصلاحات بقصدِ الحد من شرورِ ظاهرة عالمية شديدة الانتشار، لم يمنع محترفي الفساد من ركوبِ أمواجه العاتية.
مصداقاً وإثباتاً إلى ما تقدم نشير ضمن هذا السياقِ إلى أحدثِ الفعاليات الكارثية لهذه الآفةٍ المجتمعية، الَّتِي عرفتها المجتمعات الإنسانية منذ عقودٍ طويلة، حيث أعلنت دائرة جمارك أم قصر الشمالي في محافظةِ البصرة، عن ضبطِ مفارزها عددا كبيرا من الحاوياتِ المحملة بأدويةِ فاسدة، الَّتِي جرى توريدها من خارجِ البلاد بوساطةِ تجار متنفذين في الدولةِ بحسبِ مدير دائرة أم قصر الشمالي الجمركَـية. وأدهى من ذلك طبيعة التداعيات المثيرة الَّتِي خلفتها عملية مصادرة إدارة المنفذ الجمركَـي للأدويةِ منتهية الصلاحية، فضلاً عن معداتٍ طبية، حيث أنَّ هذه الجريمة النكراء بحقِ شعب ما يزال يقدم الشهداء والضحايا قرابين من أجلِ حريته وحقوقه وصناعة تاريخه لم يكن بمقدورها إفقاد الموظف المتابع لأعمالِ الشركةِ الموردة، الذي يشار إليه محلياً باسمِ ( المُخَلّص ) رباطة جأشه أمام منظر النفاياتِ الطبية، إذ سرعان ما غضب الرجل غضباً شديداً وتوعد مدير جمرك أم قصر الشمالي بالإقصاءِ من منصبه في حالِ عدم سماحه بمرورِ هذه الصفقةِ على وفقِ ما أعلنته إدارة منفذ أم قصر الجمركَـية!!.
إنَّ تفشيَ مظاهر الفساد المالي والإداري في بلادنا يعكس من دونِ أدنى شك تنامي سطوة التأثير المادي على مجتمعٍ يتمظهر باحترامِ منظومته القيمية، بالإضافةِ إلى إخفاقِ مؤسسات الرقابة الداخلية في مهمةِ مساءلة المفسدين بالاستنادِ إلى التشريعاتِ القانونية النافذة، فمن غير المعقول أنْ يدخل الارتياح نفوس أناس ينتمون إلى مجتمعٍ ما يزال متمسكًا بطقوسه وتقاليده وهم يتاجرون عبر المؤلم والفظيع من أساليبِ الجريمة المنظمة بصحةِ الأبرياء وسعادتهم، فضلاً عن الإضرارِ بمستقبلِ البلاد!!.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.