الرواية الجزائرية في البوكر العربية… حكاية الخيبة

فتح نقاش هذه الأيام حول عدم إدراج أي رواية جزائرية ضمن القائمة الطويلة، وتضاربت الآراء حول الأسباب والعوامل، وقد لخص لنا هذا عبد الملك مرتاض في مقالة له تحت عنوان «نعيب الآخرين والعيب فينا» ومما جاء فيها: «ومما ثمنته وأنا أقرأ ما كتب عن هذه المسألة أن الروائيين الجزائريين كثيرا ما يقعون في ورطة السهولة، وكأن الكتابة الروائية مجرد تسلية يتسلى بها الكاتب، ولذلك ترى الواحد يحرص على أن يخرج للناس رواية كل سنة، بل ربما أكثر من ذلك ومثل هذا الصنيع لا ريب في أنه لا يخدم تطور الرواية الجزائرية، وقد يجعلها لا تبرح مكانها وهو ما لا يريده أحد من روائيينا الذين بدأ سوادهم يتكاثر وعددهم يزيد وعلينا أن نتقبل هذا النقد الذاتي بتسامح وموضوعية معا».
وهذه السهولة نلاحظها في بعض الأخطاء التاريخية والدينية، فمؤخرا قرأت رواية لكاتب كبير أخطأ في كتابة آية قرآنية بل حرفها، والرواية طبعت منذ أكثر من عقد ولنترك عبد الملك مرتاض يشخص لنا بفكره الناقد أسباب أخرى لهذه الخيبة «ظاهرة أخرى لا مناص من ذكرها، هي أن كثيرا من كتاب الرواية الجزائرية جاؤوا إليها على عجل ومن دون التسلح بأدوات فنية رصينة والتزود بتجربة فنية أصيلة، فانقلبوا على أعقابهم من الشعر إلى الرواية فظهروا بغتة، ونخشى على الذين لم يفلحوا في قرض الشعر وقد ظلوا على ذلك زمنا قد لا يكون قصيرا، ألا يفلحوا في كتابة الرواية أيضا فيقع الضياع لهم في الحالين معا».
هذه الأسباب لقد تطرقت إليها منذ 1998في مقال لي في جريدة «الخبر» بعنوان «أين تكمن أزمة الرواية الجزائرية ؟»ولا مانع من ذكر تلك الأسباب وطرح تساؤلات حتى نخرج من المأزق ونفتح أبوابا جديدة للرواية الجزائرية.
فعندما تبقى روايات كتابنا الكبار فوق الرفوف لسنوات تنسج عليها العنكبوت خيوطها وتباع بالكيلوغرامات بدنانير معدودة، لحظتها يصدمنا السؤال أين الخلل؟ هل في غياب القارئ المتذوق للأدب؟ أم في انعدام مؤسسة تشهر للكتاب وتنشره على نطاق واسع؟ أم الخلل في الرواية نفسها، في بنيتها، في أفكارها وموضوعاتها، في لغتها؟ أم في رِؤية الكاتب، في نظرته للإبداع، في ماهية الكتابة ؟
لما نتأمل في مقولة ياسين النصير الكاتب العراقي، قد نعرف بعض نواحي الأزمة «الثقافة أشمل من الأيديولوجية السياسية، إن لم تكن فوقها وخارج نطاقها، وعندما أتحدث هنا عن الثقافة فلا أعني اتجاها سياسيا لها إنما أعني أنها تكون من مكونات الهوية».
فالمتأمل في الرواية الجزائرية يجد أنها غارقة في الأيديولوجية وهذا هو الخلل الأول عندما نقول الإيديولوجية فإننا لا نقمع الكاتب ولا نمنعه من التعبير عن آرائه السياسية، ولكن ليس على حساب الجمال والفن. لقد قرأنا الأدب الروسي الأيديولوجي، لكنه استطاع بإنسانيته وصدقه وجماله أن يكون أدبا عالميا وكمثال على ذلك رواية «الأم» لغوركي و»الدون الهادئ» لميكائيل شولوخوف « و»الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي.
وليس العالمية هنا أن يترجم كاتب لصديقه رواية أو قصة فيصير عالميا، فكيف لأديب ليست له مقروئية ولا تأثير في أبناء جلدته ثم يدعي العالمية؟ وقد صدق عبد الملك مرتاض عندما قال: «ومما ألاحظه على النصوص الروائية الجزائرية بعامة أنها كثيرا ما تعمد إلى حكي موضوعات على غاية من البساطة وربما السطحية أحيانا فلم نكد نجد رواية عالجت موضوع القلق الوجودي للإنسان مثلا ولا الصراع الأزلي بين الحق والباطل والخير والشر».
والخلل الثاني: بعدها عن عامة الشعب، عن الجماهير فهي لا تعكس بصدق معاناة الإنسان الجزائري البسيط، بل تتناول البطل النخبوي ذلك الاشتراكي الذي يريد التغيير، فمقارنة بسيطة للرواية الجزائرية بالرواية المشرقية نجد هذه الأخيرة قد فاتتنا بأشواط وأشواط ولنضرب مثلا : نجيب محفوظ الروائي العربي أول من عالج بصدق ومهارة معاناة الإنسان المصري في الحارات والأزقة، فجل رواياته عن أماكن وحارات شعبية «قصر الشوق» «بين القصرين». فهل الرواية الجزائرية عكست تقاليد الجزائريين وموروثهم الحضاري وتطلعهم إلى قيم الخير والعدل والجمال؟ وهنا لا نعمم فالأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية «بعضه» كان أصدق تعبيرا عن واقع الجزائريين من الأدب المكتوب بالعربية، فمحمد ديب في رواياته، رغم عيشه في الغربة كان أصيلا ومرتبطا بالجذور، ومولود فرعون عكس تقاليد بيئته الأمازيغية، كتب عن أفراح الأمازيغ وأحزانهم وهنا أفتح قوسا: ماذا قدم الروائي الجزائري لأبعاد الهوية الجزائرية، التعايش بين الأمازيغ والعرب والتواصل بعيدا عن السياسة.
والخلل الثالث في الرواية الجزائرية حسب رأيي هو اللغة التقريرية الجافة، وقد تطرق لهذا الموضوع كثير من النقاد والأدباء، الروائي مرزاق بقطاش وأخيرهم القاص سعيد بوطاجين في محاضرة له بالجاحظية، غياب الخيال والصور والظلال عن الأدب بكل فنونه يصبح العمل الأدبي ريبورتاجا صحافيا، فالأدب الخالد هو الذي يمنحنا القدرة على التأويل ويذهب بنا بعيدا إلى الآفاق السامقة، ويفتح لنا أبواب الفردوس فنطير في عوالم مشرقة من دون أجنحة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.