هل تخلى الغرب عن مسيحيته حتى نتخلى عن إسلامنا؟!

الذين هم اليوم بأعمار تجاوزت خمسين عاما، يتذكرون كيف كانت الأحوال الإجتماعية، في العراق وفي ما حولنا،؛ فقد كانت مدينة بغداد خصوصا والمحافظات عموما، تعج بملاهي الفجور الليلية ومحلات شرب الخمور، ولغاية ستينيات القرن الماضي، اي قبل خمسين سنة، كانت إحدى محلات بغداد القديمة، والواقعة في منطقة الميدان، تحتوي على دور للبغاء مرخصة رسميا..
في تلك الأيام؛ كنت لا ترى نساء محجبات، إلا في مدن الوسط والجنوب، وكان السفور شيئا شائعا، والفتيات كن يرتدين التنورات القصيرة جدا..
فما الذي جرى، وتغير الحال الى ما هو عليه اليوم؟!
ثمة دراسة نشرتها فورين أفيرز قبل ثلاثة أعوام ‏، توصلت الى نتائج مهمة، تتعلق بانتشار التدين في المجتمعات كافة، ومن بين أهم تلك النتائج؛ أن التدين ينتشر في العالم‏, وأن ‏ العالم يعود الآن الى الأديان والعقائد‏، وأننا بتنا نرى مظاهر هذه العودة في بلاد شتى، ومناطق عدة مسلمة ومسيحية وهندوسية وغيرها‏، وأن دور الدين يزداد في العلاقات الدولية، كما في التفاعلات الداخلية لكثير من الدول‏.
‏ دراسات أخرى لمعاهد بحوث إستراتيجية غربية، تناولت هذه العودة من جوانب وزوايا مختلفة‏,‏ ومنها تلك التي ترى؛ أن العولمة تدعم هذا التطور وتوفر الوسائط اللازمة لدور جديد للدين‏.‏
يحدث ذلك ليس في الشرق فقط؛ ولكن في الغرب‏ ايضا,‏ وهذا مؤشر جديد؛ على أن النموذج العلماني، الذي ارتبط صعوده، بقيم عصر اما بعد الثورة الصناعية، يفقد جاذبيته يوما بعد يوم‏،‏ ولقد تبين أن العقل يفسد مثلما يصلح‏,‏ ويدمر مثلما يعمر، وثبت أن العقل لا يقود دائما الى العقلانية‏.‏
كان من نتيجة ذلك؛ أن بلاد الغرب تعود عودة بطيئة، ولكنها مضطردة، الى المسيحية وقيمها‏.‏
الإحياء الديني الأقوى والأوسع يحدث هنا، في الشرق المسلم؛ حيث الصحوة الأسلامية، وحيث نشهد تغيرا متسارعا، في أولويات الهوية وتوصيفاتها، وتتخلق هوية جديدة لمجتمعاتنا، هي تلك التي نحن عليها اليوم، نختلف عن ما كان عليه آباؤنا، فضلا عن عدم شبهنا لأجدادنا بشكل قاطع!
لم تختلف المظاهر والملبس والمأكل والمشرب، بل اختلف سلوكنا وتصرفاتنا، والمحصلة أن عقولنا قد اختلفت عن عقول أسلافنا القريبين، وفي هذه التغيرات، تزحمت القيم ودفع بعضها بعضا، لينحيه ويحل محله، بدون أن تثار اسئلة مثل:أيها قبل الأخرى؟ أيها معدنه محلي وأيها غريب أجنبي؟..أيها راسخ، وايها متنحٍ؟ أيها مكتسب، وأيها أصيل؟..أيها حقيقي، وأيها زائف؟ايها أثبت، وأيها زائل؟..أيها أجدى؟.أيها…أيها؟
لقد جرى كل شيء دون إثارة، لكن الظاهرة الأهم؛ هي تديين السياسة، الذي يسميه العلمانيون تسييس الدين، وهو تسمية؛ تنطوي على إمساك النتيجة من ذيلها!
العلمانيون يضعون النموذج الغربي للدولة دائما؛ كمعيار للمقايسة، وبصرف النظر عن إختلاف الواقع، بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، الأمر الذي يجعل المقايسة خاطئة، إن لم تكن غير ممكنة، لكنهم في مقايستهم يقعون في خطأ كبير، ينطلق من وهم أن الغرب عندما بنى دوله، قد تخلى عن مسيحيته، والواقع أنه يوما بعد يوم يتمسك بمسيحيته، ويضعها أولوية قصوى في تعريف هويته…
كلام قبل السلام: تكريس ثقافة التعايش يتم برفض أدعاء احتكار الحقيقة.. !
سلام…

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.