المعوقات والتحديات التي تواجه الجامعات العراقية

مركز البيان للدراسات والتخطيط
أ.د. محمد الربيعي
الجامعات العراقية لا زالت تعاني اليوم من حصار كانت قد فرضته على نفسها منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي حيث انها لم ترَ في التغيير والاصلاح ضرورة لديمومتها وتحقيق لرسالتها، فرسالتها تكمن في تطوير الكم فقط، والنوايا الحسنة للقيادات الجامعية لا تجد مجالا او فرصا للتطبيق، اما اعضاء هيآتها التدريسية فالغالبية منهم لا تملك المعرفة او القدرة او الرغبة في احداث التغيير، وتصطدم رغبتهم في امتلاك المعرفة لاحداث التغيير بمعوقات كثيرة اهمها عدم وجود اموال كافية، او برنامج ملائم لتدريبهم، او رؤى واضحة لعملية التدريب وبناء القدرات. انها العقلية السائدة بان الجامعات العراقية كانت بخير في الماضي، ويراد لها اليوم ان تعود كما كانت عليه سابقا. وبما انها كانت مليئة باساتذة من خريجي الجامعات الغربية فما علينا الا ان نعيد ملئها بمثل هؤلاء الخريجين لتستعيد الجامعة امجادها. جامعات دول الخليج مليئة باصحاب الشهادات الغربية الا انها تعاني من نفس المشاكل التي تعاني منها الجامعات العراقية ومستويات خريجيها ليس بافضل من خريجي الجامعات العراقية، ولربما اهم سبب لتردي المستويات في الخليج وفي البلدان العربية والعراق على حد سواء يعود الى الاهتمام بالكم على حساب الكيف، بالاضافة الى ما عدّه اكاديميون سعوديون من ان “مخرجات التعليم (في السعودية) تعاني من تدني في الانضباط والتأهيل ولكون المنتج التعليمي الحالي يعاني من غياب الرؤية، وضبابية ناتجة عن التجاذبات الفكرية والمهنية للمجتمع، مع التأكيد على أن هناك افتقاراً كبيراً للعمل المؤسسي”. ويذكر د. خالد طوقان ان عدد الطلبة في الاردن بلغ 200 الف طالب وهي نسبة عالية من حيث الكم، اما من حيث الكيف الذي يتضمن قوة الجامعات وطبيعة البحث العلمي والاوراق العلمية المنجزة والابتكارات فسنجد ان جامعات الاردن ما زالت ضعيفة ودون المستوى المطلوب.ومن المشاكل التي تعاني منها الجامعات العراقية تعتدّ مركزية القرار الاداري من اهم العوامل المشتتة للطاقات والاموال بالاضافة الى افتقار للعمل الجماعي والعمل المؤسساتي حيث يتميز الاكاديمي العراقي بالفردية في العمل خصوصا في البحث العلمي وينعكس تاثير العمل الفردي سلبا على الانتاج المعرفي للجامعات العراقية وينأى بها عن اللحاق بالجامعات العالمية والحصول على مستويات مرضية في السلالم العالمية للجامعات. ومن مظاهر ازمة الحصار التي تمر بها الجامعات هو الركود المزمن والضعف في تأمين حاجات الاقتصاد والمجتمع والتمنية. ولكي تتدارك الجامعات هذا الامر بدأت بانتهاج سياسة خاطئة وغريبة عن وظيفة الجامعة، فبدلا من التركيز على وظيفتها الاساس في نشر وانتاج المعرفة بدأت بالاهتمام بأنشاء “مصانع” انتاجية للمواد الغدائية وغيرها مما سيؤدي دون شك الى حرفها عن اهدافها الاساسية في التعليم وتدريب المهارات والبحث العلمي الرصين ويدخلها في دوامة السوق وتذبذباته والمنافسة مع المنتجات المماثلة. ويبدو لي ان هدف هذا المشروع والذي اطلق عليه “بالجامعة المنتجة” هو مجرد توفير مصادر مالية جديدة للجامعات بعد ان تم نبذ فكرة استحصال اجور من الطلبة. ومشروع “الجامعة المنتجة” هذا شأنه شأن التعليم الموازي والدراسة المسائية لا يبدو انها درست دراسة مستفيضة وهي مشاريع وبرامج غريبة عن الجامعات العالمية حيث لا توجد مثيلاتها في هذه الجامعات. انها امثلة واضحة على ان الاعتماد على الذات والقدرات المحلية يؤدي الى الانغلاق واقرار اجراءات مبنية على افكار محلية لم تتوفر الوسائل لدراستها في ظل استمرار الحصار الداخلي والابتعاد عن التجارب العالمية وعدم الاستفادة من تجارب الجامعات الغربية.ان سيادة عقلية الحصار تفرض الاعتماد على الذات والقدرات المحلية وتمنع الاستفادة من كفاءات الخارج او من العقول المتوفرة في الدول الغربية وتمنع حتى الاستفادة بما توفره الانترنت ووسائل الاتصال بالخارج باكتساب المعرفة في ظل ضعف التواصل باللغات الاجنبية بحيث ان هذه العقلية مازالت تقف حجر عثرة امام التعليم الذاتي، والسياسات الحالية لا تأخذ بنظر الاعتبار ان كثيراً من معارف وبيداغوجيات التعليم والتعلم وتقنيات البحث العلمي يمكن اكتسابها عن بعد ولا تستحق الجلوس في الصفوف الدراسية. اننا نحتاج الى ثقافة تشجع كسب المعرفة وتنشرالحريات الاكاديمية وتربط الدراسات الاكاديمية بسوق العمل وتشجع، لا بل تفترض، المضي في متابعة التطورات العلمية وعدم التوقف بمجرد الحصول على شهادة الدكتوراه، او الترقية لدرجة الاستاذية. فالشهادة والترقية في الجامعات المتطورة ليس غاية بحد ذاتها، بل وسيلة للوصول الى القمة عن طريق الابداع والابتكار. القراءة والتتبع والاطلاع ضرورية للاستاذ الجامعي كما هي ضرورية للطالب، والاستاذ الذي يتوقف عن مراجعة احدث التطورات في علمه كمن يضرب رأسه بطلق ناري.نحن نحتاج الى ثقافة لا تعتمد على المكافآت المالية والاغراءات البسيطة والساذجة لاجل دفع التدريسي لتحسين اسلوب تدريسيه او للبحث والتطوير. نحن نحتاج الى نظام اداري واكاديمي يعطي للاساتذة حق ادارة الجامعة بينما تتمتع الجامعة بالاستقلالية الادارية والاكاديمية، وفيها تنمو وتزدهر الحريات الاكاديمية، وحق التعبير وتمارس الادارة الديمقراطية، وان تكون الجامعة مركز محبة واخلاص وتفانٍ في العمل والبحث. نحن نحتاج الى مراكز بحث متميزة تكون حاضنات للابداع لنخرج من المحلية الى العالمية والى شراكة مجتمعية مع القطاعين العام والخاص وشراكة عالمية مع الجامعات العالمية الرائدة والى ايجاد بيئة علمية ايجابية وجاذبة للعلماء المتميزين. المكافآت يجب ان تكون لمن ينشر بحوثا متميزة في مجلات علمية متميزة وليس لكل من ينشر في مجلات او مؤتمرات مغمورة او زائفة. على سبيل المثال تمنح مكافأة لاتقل عن عشرة الاف دولار للبحث المنشور في مجلات العلوم او الطبيعة او الخلية بالرغم من عدم توقعنا ان يكون هذا الحدث في المستقبل القريب، وان لا تقل المكافأة عن ثلاثة الاف دولار للبحث المنشور في مجلة مرموقة ومسجلة في قاعدة بيانات اي اس اي، ويدفع الف دولار عن كل عشرة اشارات في بحوث عالمية يحرزها البحث. هذا علما ان هذه المكافآت اقل مما تخصصه الجامعات السعودية كمكافآت للنشر في المجلات العالمية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.