ثروة في طريقها إلى الاندثار

تعد تربية الأسماك وإنتاجها من الأنشطة الاقتصادية المهمة؛ بالنظرِ لإيجابيةِ آثارها في مهمةِ توفير فرص العمل للسكانِ المحليين، فضلاً عن مساهمتها في الاستثمارِ الأمثل للأرض، إلا أنَّ الكثيرَ من المشكلاتِ الناجمة عن مؤثراتٍ طبيعية وبشرية وبيولوجية تعترض طريق التنمية السليمة لهذا القطاعِ الإنتاجي في العراق على الرغمِ من أهميته بتعزيزِ الاقتصاد الوطني.
من نافلةِ القول إنَّ سعةَ مساحة العراق المائية المتمثلة بالأنهارِ والبحيرات والأهوار، التّي يتفرد بها عن كثيرٍ من بلدانِ العالم، توحي بما لا يقبل الشك إمكانية تصدر بلادنا الدول المنتجة للأسماكِ في العالم، إلى جانبِ مساهمة هذا النشاطِ الحيوي بتكوينِ الدخل، غير أنَّ واقعَ الحال يؤشر خلاف ذلك بفعلِ التخلف الكبير في إنتاجيةِ الثروة السمكية، ولاسِيَّمَا ما يربى منها في أحواضٍ تفتقر إلى المتطلباتِ النموذجية لأحواضِ تربية الأسماك.
لا يخفى على أحدٍ طبيعة الظروف التّي عاشتها البلاد وأفضت إلى المساهمةِ بخروجِ مساحات واسعة من المسطحاتِ المائية العراقية الحاضنة لتواجدِ الأسماك وتكاثرها بفعلِ جريمة تجفيف الأهوار، التّي أقدم عليها النظام السابق، بالإضافةِ إلى تعرضِ أعداد كبيرة من الأسماكِ لهلاكٍ أو أضرارٍ بالغة نتيجة أنشطة بشرية خاطئة تسببت بتلويثِ البيئة المائية من خلالِ رمي الفضلات المنزلية ومخلفات المعامل والمصانع والمستشفيات وتسرب النفط إلى الأنهارِ وبقية المسطحات المائية. ويضاف إلى ذلك انخفاض مناسيب المياه في مجاري الأنهار الوطنية بسببِ بناء السدود التركية، الذي أفضى إلى زيادةِ ملوحتها، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على جودةِ المياه، وبالتالي المساهمة بظهورِ آثارٍ سلبية على السلةِ الغذائية البحرية والثروة السمكية بشكلٍ خاص.
يمكن القول إنَّ من جملةِ أسباب تراجع هذا المفصلِ الاقتصادي الحيوي هو ضعف الإمكانيات المالية المعتمدة في تطويرِه، بالإضافةِ إلى إهمالِ الجهات الحكومية المعنية متابعة تطبيق التشريعات القانونية الخاصة بالمحافظةِ على موجوداتِ هذه الثروةِ من انتهاكاتِ الصيادين القوانين التّي تنظم هذا النشاط، حيث أنَّ مردَ العاملين بمهنةِ صيد الأسماك استخدامِ وسائل صيد الأسماك المحرمة يعود بالدرجةِ الأساس إلى المحاولةِ في الإسراعِ بجني الأرباح سعياً بتحقيقِ مداخيل مالية كبيرة في ظلِ توفر بيئة ملائمة لممارسةِ نشاطات غير مشروعة ومحرمة من الناحيةِ القانونية بفعلِ ضعف القنوات الحكومية الرقابية وغياب المساءلة القانونية التّي ساهمت باختلالِ التوازن ما بين إنتاجية الثروة السمكية وما يتعرض منها إلى الصيدِ في أوقاتٍ محرمة.
إنَّ النهوضَ بقطاعِ الثروة السمكية في البلادِ يلزم إدارة الزراعة البحث في مجموعةِ العوامل التّي أفضت إلى التأثيرِ سلباً في مهمةِ تنمية تربية الأسماك وتطويرها، لأجلِ الحد من أثرها باعتمادِ ما متاح من السبلِ المساهمة بمواجهةِ حالة التردي الملازمة لهذا القطاع منذ سنوات.
لا يخامرنا شك في أهميةِ تعامل الجهات ذات العلاقة مع قطاعِ الثروةِ السمكية برؤيةٍ علمية وموضوعية تفرض على إدارتِها ومفاصلِها التنفيذية تشديدِ الإجراءات، التّي من شأنِها حماية موجوداتها من الهدرِ والضياع والتدهور الناجم عن اعتمادِ سلوكيات خاطئة، ولاسِيَّمَا في مواسمِ تكاثرها. ولعلّ في مقدمةِ هذه الإجراءاتِ اهتداء إدارة الزراعة إلى أفضلِ السبل التّي بوسعها مواجهة تمادي كثير من الصيادين في استخدامِ أساليب الصيد الجائر للأسماكِ بمختلفِ أشكالها مثل السموم والصعق الكهربائي والمتفجرات، فضلاً عن اللجوءِ إلى اعتمادِ شباك صيد ممنوعة، إذ تؤدي هذه الممارساتِ غير المشروعة بمجملِها إلى القتلِ الجماعي للأسماك، الأمر الذي ساهم بالوصولِ إلى ما آل إليه حالها.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.