وهم حصاد العنب في الرياض بعد زرع الشوك في سوريا

اسماعيل القاسمي الحسني

في حين أننا نؤكد بأن رأينا يستند لوقائع وحقائق وتجارب على الأرض ماثلة للعيان، لا يمكن أن يتجاوزها إلا مكابر (ليبيا مثلاً صارخاً). ثم الدافع الرئيسي لعرض رأينا هو خلاف ما يفهمه الأشقاء تماماً، ذلك أنه يعني مصلحة بلدانهم وأمنها واستقرارها. أقدم هذا بعد أن قرأت لداود الشريان وسلمان الدوسري وعبد الرحمن الراشد وجمال خاشقجي وهم من علية كتاب دول الخليج (الفارسي)، استغرابهم من عدم فهم “العالم” لمواقف دول الخليج (الفارسي و على رأسها السعودية طبعاً)، والاستغراب لم يشمل من يحسبونهم أعداء أو خصوماً، وإنما شمل من يحسبونهم حلفاء استراتيجيين منذ تكوين تلكم الدول، وأولها الولايات المتحدة نفسها، وأغرب ما في هذه الحالة، هو تبرير عدم تفهم أو فهم الولايات المتحدة هو إما غباء من إدارتها، أو عدم وفاء بالتزاماتها؛ وإن كان هؤلاء يطرحون تساؤلاتهم في صيغة استغراب، فإني لم أقف على عبارة واحدة منهم، تشي باحتمال أن هناك خطأ ما في قراءة المشهد من جانبهم، ولا مجرد خيال بسوء تقدير لدى قياداتهم. وهذا الاعتداد بالذات إلى درجة التأليه هو بعينه أقصر طريق للهلاك.
لم تخطئ تقديرات أنظمة دول الخليج (الفارسي) مرة واحدة، بل في عديد من المواقف ثبت أن خياراتها كانت خاطئة، حتى لا نقول كارثية على كل الأمة، وإن لم يشعر أو يلمسها الأخوة، بداية من حرب الخليج (الفارسي) ضد العراق، والاعتراض عن اقتراح سلطنة عمان والجزائر حينها، بالاعتماد على قوة عربية مشتركة لتحرير الكويت (وها هم اليوم يروجون لها باصرار مذهل)، مرورا بكارثة ليبيا، حين بشروا الأمة بأنها ستكون جنّة مباشرة بعد إسقاط معمر القذافي، وتراهم بعد انكشاف واقع ما يجري في ليبيا، كيف يغفلون كل مآسيها من وسائل إعلامهم، بل و ألغوا بشكل جذري عنوانها مما يسمى جامعة الدول العربية، و شطبوا همها من جدول أعمالها. وصولاً إلى التقدير الفاضح خطؤه، حين أكّدوا بأن سقوط نظام سوريا سيكون خلال شهور معدودة، فضلاً على ذات الحلم الوهمي الذي سوقوه بخصوص ليبيا. ما صرح به أحمد العسيري بشأن عدم تراجع السعودية عن قرارها بالتدخل البري في سوريا، نراه خطأ قاتلاً لا محالة، ليس بحق سوريا و لا دفاعاً عنها كما يتصور الأخوة، و إنما دفاعاً عن الجزيرة العربية ككل، و حماية لاستقرار شعوبها؛ إن قرارا كهذا لا يحمل من المنطق العسكري و الميداني و السياسي مثقال ذرة من الحكمة و التعقل، بقدر ما يكشف عن غور حقد شخصي، توظف في سبيل تحقيق مآربه مقدرات الأمة و أرواح أبنائها؛ علينا أن ننتبه هنا لأمر يغفل عنه عادة، و هو أن من يتخذون قرارات الحرب و الصراعات الدموية، عادة لا يدفعون هم من دمائهم و لا من دماء أهلهم، و قطعاً ليس من أموالهم، و إنما يزجّون بقوة “السلطة” أبناء الفقراء و أموالهم في أتون دوامة الحرب، و ينقّلونهم كأحجار دمى على رقعة النار، لا يملكون حيال المآسي التي يتعرضون لها أدنى شفقة أو رحمة. لو أثبت لنا الأخوة صحة خيارهم في ليبيا، و رأينا بأم أعيننا كيف أصبحت جنّة للحريات و الاستقرار و النمو و الازدهار، لسلمنا لهم اليوم بصحة خيارهم بالحرب على سوريا، أما و الواقع المعاين في ليبيا يؤكد لكل ذي عينين أننا أمام مأساة شعب، تزداد يوما بعد يوم نزيفا دمويا و تشرذما اجتماعيا و جغرافيا، فلا يمكننا وصف اصرارهم على المضي في خيار الحرب على سوريا إلا بالحقد الذي أعمى صاحبه، و يريد للعالم كذلك أن يؤمن بهذا العمى و يستغرب عدم فهمه. حين أقول حقداً، فلست آتي بشيء من عندي، فما نشرته صحيفة “الانديبندنت” على سبيل المثال لا الحصر في 13/07/2014 تقريراً مطولاً عن محاضرة ألقاها الرئيس السابق لجهاز المخابرات البريطانية ريتشارد ديرلوف أمام المعهد الملكي للخدمات المتحدة، والتي أكد فيها سماعه شخصياً من بندر بن سلطان بصفته الرسمية، عمل الأخير على إبادة الشيعة و العلويين، ووفق تقديره أن هذا الهدف لم يشرع في العمل على تحقيقه عام 2001 وإنما مع احتلال العراق سنة 2003؛ وحمّل ريتشارد السعودية مسؤولية دعم داعش بكل الوسائل، و احتلالها للموصل و إبادة أكثر من مليون شيعي؛ لكن مما لا يقل خطراً عن هذا كله، هو تعريفه للتفكير الاستراتيجي السعودي، الذي يقوم على ركيزتين متجذرتين وفق قراءته، الأولى: اعتقاد السعوديين بأن الوهابية هي الدين الاسلامي الصحيح و النقي، و غيره مجرد زندقة و كفر، و الثانية: أنهم (أي القيادة السعودية) أوصياء عن المقدسات الاسلامية، و أي تحد لهم ليس مقبولاً. ليس هذا المسؤول الغربي الرفيع استثناء بخصوص هذه الشهادة، فقد سبقه مثلاً كذلك لا حصراً، أصدقاء استراتيجيون كجو بايدن و جون ماكين. وعلى هاتين الركيزتين جاء تصريح العاهل السعودي منذ أيام، و صدرت فتوى مفتي المملكة، فالأول اعتبر حربه على اليمن دفاعاً عن الأمة العربية، و إن كنّا لا ندري من وكّله بذلك، و الثاني اعتبر الحرب في اليمن و سوريا واجبا دينياً، لأنها دفاع عن الاسلام و الأخير وفق رؤيته، هو الفكر الوهابي و ما عداه صفوي و زندقة و كفر. مع أن علماء مصر و الشام و المغرب جميعهم ينكرون هذا الطرح، حتى لا نقول يعترضون على حشر فضاء الإسلام على سعته في شِبر الوهابية. دعوني أطرح جانباً مقال الوزير عادل جبير تحت عنوان: هل يمكن لإيران أن تتغير؟ في 20/1/2016 بصحيفة الشرق الأوسط، و ما ضمّنه من نفس الركائز، و نعود لقرار التدخل البري في سوريا، بذريعة محاربة داعش، و واقع الأمر أنها حرب وجودية بين النظام السعودي، الذي لم يترك لنفسه خط رجعة في عدائه للقيادة السورية، و قطع خارج كل المعارف السياسية و الدبلوماسية جميع حبال التواصل معها؛ و لنا أن نسأل الأخوة: هل تضعون احتمالاً و لو بسيطاً بأن هذا القرار خاطئ التقدير؟. لسنا بوارد تفنيد الحجج المسوقة، لأنها ساقطة بحكم الواقع، فالقول بالدفاع عن عروبة اليمن، يدحضه موقف السعودية كآخر فصل في العلاقة مع العدو الاسرائيلي، عبر حوار تركي الفيصل مع صحيفة هآرتس 14/10/2015، فلا فلسطين محتلة ولا هي عربية و لا هي سنّية، وبالتالي لا دفاع عن الأمة واجب و لا دفاع عن الاسلام فرض. والقول بالدفاع عن المدنيين المحاصرين المجوعين، ساقط هو كذلك بحكم واقع ما تعاينه الأمة مع أهلنا في قطاع عزة.
إذا، الاندفاع الذي يحركه هذا الحقد الأعمى نحو حرب برية في سوريا هل قرأ القوم نتائجه ؟
ليس من باب التخويف و لا التهويل، نكرر ثانية بأن الدافع هو كف دماء الناس، و ايقاف توسع دائرة العنف نحو الدول التي تستنسر اليوم على سوريا؛ هنا نسجل لإخوتنا التالي: كما قدّرتم بأن اسقاط القذافي سيليه نبات جنّات عدن كان خاطئاً، و كما قدّرتم بأن سقوط نظام الأسد سيكون حتماً و مؤكداً خلال ستة أشهر كان كذلك خاطئاً، و كما قدّرتم بأن عمر عاصفة الحزم لن يزيد عن شهر واحد كان هو الآخر خاطئاً، بل لم يقتصر الأمر على الخطأ وإنما ما ترتب عنها من كوارث سُجلت عاراً على جبين تاريخ البشرية بدماء أبناء الأمة؛ فأخشى أنه من المؤكد بأن قرار التدخل البري الذي لا رجعة عنه سينتهي بكارثة أخرى، غير أنها تختلف عما سبقها من كوارث.لقد قلنا لكم من قبل بأن إسقاط النظام السوري أمر مستحيل، ليس لقوته فحسب، و إنما لكونه جزءا من توازن القوى الدولية، لا يمكن بحال من الأحوال أن يفرط فيه، ولم تتصوروا حينها أي منذ أربع سنوات، بأن روسيا ستتدخل عسكرياً بشكل قوي لدعمه، نحن كنا حينها نعتمد هذا التصور ونحسب حسابه، واليوم لا تتوقعون دخول الصين عسكرياً على الخط، عليكم أن تضعوا ذلك في حسابكم وتتأملوا جيداً الموقف. حين يصرح ميدلديف مباشرة قبيل اجتماع بروكسل بأن دخول جيش أجنبي برياً للأراضي السورية يعني حرباً عالمية، فالرجل هنا لا يطلق الكلام على عواهنه، وإنما هي رسالة واضحة المعنى للولايات المتحدة، التي كانت تتوقعها من قبل، ذلك ما ظهر على الأقل في حوار جون كيري مع أطراف المعارضة السورية، التي سرّب عناصرها أخطر وأهم ما جاء فيه، وكان يفترض التعامل معه بشكل جدي وليس كما ظهر من قراءات صبيانية على صفحات بعضهم، و ذلك بقوله: “لا تتصوروا أننا سنخوض حرباً ضد روسيا من أجلكم”. و هذا المبدأ لا ينكره إلا جاهل أرعن؛ يعني يفترض أن قادة السعودية و صناع الرأي فيها، أن يفهموا بأن تصريح جون كيري يعنيهم هم كذلك. و حين يطلق ميدليدف وصف “عالمية” فهو لا يعني روسيا وايران وإنما يعني قطباً دولياً يضم كثيراً من الدول، تقف بحكم توازن القوى التي تشكل كتل مصالحها، في وجه قطب آخر يسعى للهيمنة المطلقة على الجميع، و هذا القطب الدولي ساحات تقليم أظافره متعددة، أبرزها بالنسبة لنا سوريا. وعلى ما تقدم ذكره، فلا يتصور الأخوة في الخليج الفارسي كُتّاباً كانوا أم أصحاب القرار، بأن هذا القطب سيبقى مكتوف الأيادي إذا مضت في قرار الدخول البري، وإلا عدّ الأمر سفها في العقل، كما عليهم أن يحسبوا حساب نقل الصراع آلياً إلى ساحاتهم الداخلية، لإشغالهم بأنفسهم عن الساحة السورية، ولا شك بأنه منفصل عن الواقع من يعتقد بانعدام الأدوات القابلة للاشتعال، وأن مجتمعاتهم خالية من أي نازع بشري يعشق الرقص مع الشياطين؛ فالشعوب -إن صح الوصف- الخليجية فيها من الصواعق ما في غيرها، هذا إن لم نقل أكثر وأخطر.أخيراً؛ يبدو لنا كمراقبين بأن العالم الغربي تقاطعت مصالحة بشكل مطابق مع المعسكر الشرقي، وكليهما يريد أن يتخلص من أنظمة الخليج (الفارسي) من جهة، ومن خطر قوة تركيا وايران الصاعدتين، فأنظمة الخليج (الفارسي) لمن يتأمل باتت تلاحقها بشكل غير مسبوق، مقالات في الصحافة والإعلام الغربي، تعرّي عيوبها وتتبع عوراتها، وتصنفها ضمن الانظمة الدكتاتورية الرجعية المتعفنة، وهذا قد يكون تمهيدا لقلب الصورة لدى الرأي العام وتهيئته للحظة الانقلاب عليها، وإنما تشجعها للدخول البري في سوريا، لعلمها بأن الطرف المقابل سيشعل الحرب داخلها، وهي الفرصة التي يتربصها العالم الغربي، بل سيذكي شرارتها وينفخ في جمرها لا محالة؛ ومن جهة فقد استدرج تركيا كذلك بتشجيعه “اللفظي” نحو الصدام المتصاعد مع النظام السوري إلى درجة الاغترار بالاصطدام المباشر مع روسيا، وذلك حين أسقطت طائرة السوخوي؛ وقد رأينا كيف تركت تركيا وحيدة في مواجهة تبعات موقفها من الأزمة السورية، سواء على صعيد اللاجئيين أو على صعيد خسائرها الفادحة نتيجة قرارات روسيا. ندعو الأخوة في الخليج (الفارسي) دون ملل ولا كلل مرة أخرى لمراجعة سياساتهم وقراءاتهم، وليضعوا احتمالاً ضئيلاً لكونهم مجرد بشر مثل غيرهم يصيبون وكذلك يخطئون، وعليهم جدياً التأمل فيما يعتقدون كنظرية “لماذا لا يفهمنا العالم؟”، وليبحثوا بدلاً عن ذلك في: “لماذا هم لا يفهمون العالم؟”؛ وليتأكدوا هذه المرة كما أكدنا لهم في منعطفات سابقة: يستحيل أن تجني في الرياض عنباً، بعد أن تزرع الشوك في سوريا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.