السيدة زينب «عليها السلام» .. الأدوار والمهمات الرسالية

opoo

استقبل في مثل هذه الأيام المباركة أهل البيت(عليهم السلام) بفرح وحبور وغبطة وسرور مولودة البيت العلوي ـ الفاطمي الطاهر،وحفيدة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)عقيلة الطالبيين السيدة زينب(عليها السلام)،وهي البنت الأولى للإمام أمير المؤمنين والسيدة فاطمة الزهراء(عليهما السلام)،ففي اليوم الخامس من شهر جمادى الأولى ولدت السيدة زينب(عليها السلام)،وفتحت عينيها في وجه الحياة،في دار يشرف عليها ثلاثة هم أطهر خلق الله تعالى: محمد رسول الله،وعلي أمير المؤمنين،وفاطمة سيدة نساء العالمين(صلى الله عليهم أجمعين).جريمة  تاريخية
ويجدر هنا أن نشير إلى جريمة تاريخية ارتكبها عملاء الأمويين وأعجب بها المنحرفون الذين وجدوا هذه الجريمة ـ أو الأكذوبة التاريخية ـ تلائم شذوذهم الفكري،وانحرافهم العقائدي،فقد ذكرت
الكاتبة بنت الشاطئ في كتابها “بطلة كربلاء” ما نصه :
« إنها الزهراء بنت النبي ، توشك أن تضع في بيت النبوة مولوداً جديداً ، بعد أن أقرت عيني الرسول بسبطيه الحبيبين : الحسن والحسين ، وثالث لم يقدر الله له أن يعيش ، هو المحسن بن علي..”.
من الثابت أن المحسن بن الإمام علي هو الطفل الخامس لا الثالث ، وهو الذي قتل وهو جنين في بطن أمه بعد أن عصروا السيدة فاطمة الزهراء بين حائط بيتها والباب ، وبسبب الضرب المبرح الذي أصاب جسمها وكان السبب في سقوط الجنبن. ولكن هذه الكاتبة المصرية تستعمل المغالطة والتزوير،وتحاول إحقاق الباطل وإبطال الحق وتقول : إن السيدة زينب ولدت بعد المحسن بن علي الذي لم يقدر له أن يعيش!
فانظر كيف تحاول بنت الشاطئ تغطية الجنايات التي قام بها بعض الناس بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واقتحامهم بيت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لإخراج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ليبايع خليفتهم،ودفاع السيدة فاطمة عن زوجها،وعدم السماح لهم باقتحام دارها،وما جرى عليها من الضرب والركل والضغط،فكانت النتيجة سقوط جنينها الذي سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في حياته ـ محسناً،وهو ـ يومذاك ـ جنين في بطن أمه!!.
ولما ولدت السيدة زينب (عليها السلام) أخبر النبي الكريم(ص) بذلك،فأتى منزل إبنته فاطمة(ع)،وقال:”يا بنية إئتيني ببنتك المولودة”،”فلما أحضرتها أخذها النبي(ص) وضمها إلى صدره الشريف،ووضع خده على خدها فبكى بكاءً شديداً عالياً، وسالت دموعه على خديه.
فقالت فاطمة(ع):مم بكاؤك،لا أبكى الله عينك يا أبتاه؟
فقال:يا بنتاه يا فاطمة،إن هذه البنت ستبلى ببلايا وترد عليها مصائب شتى،ورزايا أدهى.يا بضعتي وقرة عيني،إن من بكى عليها،وعلى مصائبها يكون ثوابه كثواب من بكى على أخويها”.ثم سماها زينب.
نعم إن رفعة درجات الآخرة رهينة بكثرة الابتلاءات والمشاكل في دار الدنيا،ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لأُمها فاطمة (عليها السلام):”يا فاطمة تعجلي مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غداً”،وقد قالوا (عليهم السلام):”أفضل الأعمال أحمزها”.ولا فرق في ذلك بين الأحمز طبيعة،كالصيام في الحر بالنسبة إلى الصيام في البرد ، وبين الأحمز اختيارا، ولذا كان الإمام الحسن (عليه السلام) يذهب إلى الحج ماشيا راجلا،والنجائب(الخيول الأصيلة) تساق بين يديه.
العصمة الصغرى
السيدة زينب(ع) بطبيعة الحال تربت في ذات البيت الذي تربى فيه أخواها الإمامان المعصومان(ع) ونهلت من ذات النبع العذب لجدها(ص) وأبيها وأمها(ع) لذا فهي وإن لم تكن معصومة عصمة مباشرة من الله تعالى ولكنها معصومة عصمة من نوع أخر يسميها بعض العلماء العصمة الصغرى،كيف لا والإمام السجاد(ع) قال لها:”أنت بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة”. ونحن وإن لم نرَ في الروايات هبوط الملائكة على قبرها،كما هو مذكور في متواتر الأحاديث حول قبر أخيها الإمام الحسين (عليهما السلام) لكن استظهار ذلك من بعض الآثار غير بعيد،ولعل المتتبع يجد ما لم نجده.
وما أعظمها من كلمة:”إن الله شاء أن يراهن سبايا”.
فالله الذي أعظم من كل عظيم يرى بمشيئته شيئاً كبيراً لا نتمكن من وصفه،ودرك كنهه..أليس يحق لها فوق ما نتصوره من العظمة؟!.
التوسل بالأطهار
وهنا لابد لنا من الإشارة إلى أن السيدة زينب (عليها السلام) كانت تملك مرتبة عالية من الذكاء الفطري، بالإضافة إلى مواهبها الإلهية وعلمها الربّاني، وقد حفظت خطبة أمها فاطمة الزهراء (عليها السلام) في المسجد النبوي الشريف وعمرها حينذاك ما يقارب خمس السنوات،وهي الناقلة للخطبة التي وصلت إلينا عبر التاريخ.
نعم رفعة الأبوين ـ خصوصاً بتلك المنزلة العالية ـ مع شدٌة مواظبتها للطاعات والعبادات وقابليتها التي منحها الله عزَّ و جل نتيجة المواظبة،خَلقت منها أنبل شخصية،وأرفع إنسانة مقرَّبة عند الله تبارك وتعالى. لذا نحن نتوسل بها و بأهل البيت(عليهم السلام) الطاهرين المطهرين
فان لهم عند الله مقاماً محموداً ودرجة عظيمة،يقول تعالى:”وابتغوا إليه الوسيلة”، وعن أمير المؤمنين(ع):”أنا الوسيلة”،
وعن السيدة الزهراء:”(ع):”نحن وسيلته في خلقه”.
السيدة زينب(ع) والشعائر الحسينية
قد اهتمت السيدة زينب (عليها السلام) بالشعائر الحسينية أكبر اهتمام في القول والفعل
فبكت،وأبكت، وبينت ووضحت مظلومية أخيها الإمام الحسين(ع) وعموم أهل البيت(ع)،ويكفي موقفها وخطبتها في الكوفة،والشام.
ولما كان اليوم الحادي عشر وأراد ابن سعد حمل النسوة والأسرى من آل بيت الرسول (ص) إلى الكوفة،طلبت النسوة أن يمروا بهن على مصرع أبي عبد الله(ع) والشهداء،فمروا بهن،فلما نظرن إلى القتلى صحن ولطمن الوجوه،وأخذت السيدة زينب (عليها السلام) تندب أخاها الإمام الحسين(ع) وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب: يا محمداه،صلّى عليك مليك السماء،هذا حسينك مرمَّل بالدماء،مقطَّع الأعضاء،وبناتك سبايا،وإلى الله المشتكى.. ثم بسطت يديها تحت بدنه المقدس ورفعته نحو السماء وقالت:إلهِ تقبَّل منَّا هذا القربان،وفي الحديث:انها أبكت والله كل عدوٍّ وصديق.
خطبتي الكوفة والشام
وقد خطبت السيدة زينب (عليها السلام) عندما جيء بهنَّ أسارى إلى الكوفة،فأومأت إلى الناس بالسكوت والإنصات، فارتّدت الأنفاس وسكنت الأجراس،ثم قالت في خطبتها بعد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله:
أما بعد يا أهل الكوفة،يا أهل الختر والغدر والحدل..أتبكون على أخي؟! أجل والله فابكوا،فإنكم والله أحق بالبكاء،فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً..أتدرون ـ ويلكم ـ أي كبد لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلّم) فريتم؟ وأي عهد نكثتم؟ وأي كريمة له أبرزتم؟ وأي حرمة له هتكتم؟ وأي دم سفكتم؟!..ثم أنشأت تقول:
ماذا تقولون إذ قال النبي لكم ماذا صنعتم وأنتم آخر الأمم بأهل بيتي وأولادي ومكرمتي منهم أسارى ومنهم ضرَّجوا بدم؟
..إلى آخر الخطبة التي هزت ضمائر الناس وعروش الطواغيت،حتى قال الراوي:فلم أرَ والله خَفِرة أنطق منها، كأنّما تنطق وتفرغ عن لسان أمير المؤمنين (عليه السلام)..
وقال مشيراً إلى مدى تأثر الناس يومئذ بخطبتها:فو الله لقد رأيت الناس يومئذٍ حيارى يبكون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتى اخضلَّت لحيته وهو يقول: بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونساؤكم خير النساء ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى. وهنا قال الإمام زين العابدين(ع):”يا عمة.. ـ أنت بحمد الله ـ عالمة غير معلَّمة،فهمة غير مفهَّمة”.كذلك كانت السيدة زينب (ع) تأمر الناس بالبكاء على الإمام الحسين(ع)إذ تقول:”يا قوم اِبكوا على الغريب التريب”.
فقد استفادت(ع) من كل فرصة أتيحت لها لإبراز مظلمة الإمام الحسين(ع)،حتى أنها(عليها السلام) لما عادت إلى كربلاء مع حرم الرسول (ص) العائدات من الأسر وتراءت لهن القبور،ألقت بنفسها على قبر أخيها ثم أخذت تعدَّد مصائبها لأخيها وهي تبكي،فأنَّت وبكت بكاءً شديداً حتى أبكت أهل الأرض والسماء،كما ورد في الحديث!!.
وقد تنبَّأت سيدتنا العالمة مستقبل القضية الحسينية،فقالت لابن أخيها الإمام السجاد(ع):”لقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمَّة، لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة، وهم معروفون في أهل السماوات، إنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرَّجة، وينصبون بهذا الطف عَلَمَاً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجهدنَّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد إلا ظهوراً وأمره إلا علواً”.
و قالت للعين يزيد:”..فإلى الله المشتكى و عليه المعوَّل،فكد كيدك،واسع سعيك،وناصب جهدك،فو الله لا تمحو ذكرنا،ولا تميت وحينا،ولا يرحض عنك عارها،وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد،وجمعك إلا بدد،يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين..”.
زينب (ع) والإختيار الصعب
لقد اختارت السيدة زينب (عليها السلام) دورها في ثورة الحسين بوعي سابق وإدراك عميق،حيث إنها كانت المبادرة للمشاركة كما احتفظت بزمام المبادرة في مختلف المواقف والوقائع الثورية. ولأنها كانت مختارة ومبادرة عن سابق وعي وتصميم، فإنها كانت تنظر الى ما واجهته من آلام ومآس قاسية تتصدع لهولها الجبال الرواسي،بإيجابية واطمئنان، وتعدّها ابتلاءً وامتحاناً إلهياً لابد لها من النجاح فيه.
وحينما يسألها عبيد الله بن زياد أمير الكوفة وواجهته السلطة الأمية في مجلسه سؤال الشامت المغرور بالنصر الزائف قائلاً: (كيف رأيت فعل الله بأخيك؟) فإنها تجيبه فوراً بجرأة وثقة وثبات وصمود قائلة:”ما رأيت إلا جميلاً،هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم،وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج(المنقلب) يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة”.
زينب (عليها السلام) والإمتداد الحسيني
يقترن دور زينب (عليها السلام) في التاريخ الإسلامي بموقعة كربلاء، فكما أن للحسين (عليه السلام) حقاً على المسلمين، كان لعقيلة بني هاشم حق على المسلمين الى يوم الدين، فلولا شهادة الحسين (عليه السلام) ولولا وجود من يبلغ رسالته التي اطلقها في عاشوراء لما كان من بعده ولا قيم إيمان ولا سلام ولا صلة تربط الإنسان بالدين.ومن المعروف قدرة يزيد وأعوانه عل طمس موقعة كربلاء وخنق أدائها، لولا جهود زينب (عليها السلام) التي بذلتها في مسيرتها الطويلة من كربلاء الى الكوفة، ثم الى الشام ومنها الى المدينة. وكان بوسع الأمويين، لولا ذلك، أن يتهموا الإمام الحسين (عليه السلام) بالخروج لطلب الدنيا، وأن الله خذله ونصرهم، أو أنه أراد الفتنة في بلاد المسلمين فقطع الله دابر الفتنة. ولكن حاملة الرسالة العقيلة زينب (عليها السلام) هي التي أفشلت خططهم، وردت كيدهم الى نحورهم ورفعت راية عاشوراء عالية ترفرف في كل مكان والى يوم الدين.
موكب الأسرى في الكوفة
دخل موكب أسرى آل بيت (عليهم السلام) مدينة الكوفة، فاستقبلته النساء بالبكاء والعويل والطم على الخدود. فانزعجت العقيلة كثيراً، وقد رأت هؤلاء القوم وهم يخذلون أباها، ثم ينقلبون على أخيها الحسن (عليه السلام) ، ويستدعون بعد ذلك أخاها الحسين (عليه السلام)، حتى إذا أجاب دعوتهم خرجوا عليه بسيوفهم فقتلوه وأهله وصحبه، ثم هم يأسرون نساءه وأطفاله في موكب ذليل، ويستقبلونهم، بعد ذلك، بالبكاء والعويل، فانطلقت زينب (عليها السلام) تهدر فيهم بخطبة مجلجلة تسمعهم فيها أنواع التأنيب والتقريع على مواقفهم المخزية وتخاذلهم المشين.وما زالت تواصل إبلاغها رسالتها في حلها وترحالها، حتى بلغت الشام ودخلت مجلس يزيد فخطبت خطبتها العصماء التي أرهبت قلوب الظالمين، وزعزعت عروشهم، فحاول يزيد التخلص من هذا الخطر المحدق به، ومن معها الى المدينة المنورة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.