صورة مشرقة

تُعَدُّ الفعاليات الاجتماعية والتنموية التطوعية المعتمدة في كثيرٍ من دولِ العالم من جملةِ سبل التعاون، الَّتِي من شانِها المساهمة في مهمةِ النهوض بمكانةِ المجتمعات الإنسانية؛ بالنظر لإدراكِ الأفراد في البلدانِ المتقدمة أو النامية عدم قدرة الأجهزة الحكومية التنفيذية على تأمينِ جميع متطلبات الشرائح الاجتماعية بمفردها، جراء تنامي احتياجات السكان في ظلِ تطور ظروف المعيشة وزيادة صعوبات الحياة المتأتية من إجمالي التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والتقنية وتسارع وتيرتها، الأمر الذي يلزم الأهالي بالمشاركةِ طوعاً في تعزيزِ الجهد الحكومي الساعي إلى معالجةِ بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ويشار إلى العملِ الاجتماعي التطوعي بوصفِه مساهمة الأفراد من دونِ مقابل بالرأي أو العمل أو التمويل أو غير ذلك في أعمالٍ تتعلق بمجالاتِ الرعاية والتنمية الاجتماعية.
ينحى بعض المتخصصين صوب تفضيل أعمال المجموعات التطوعية بسببِ تميزها عن مثيلاتها الموكل تنفيذها إلى المفاصلِ الحكومية بعواملٍ عدة منها انتفاء البيروقراطية، مرونة مساراتها، وكفاءة أدائها جراء قدرتها على الحركةِ السريعة، بالإضافةِ إلى تيقنهم من أنَّ الانخراطَ في العملِ التطوعي يشكل أحد متطلبات الحياة المعاصرة، الَّتِي تعتمد خططاً تنموية تتطلب مرونة وسرعة في اتخاذِ القرارات، إلى جانبِ فاعلية مشاركتها في مهمةِ مواجهة الظروف الطارئة، الَّتِي تعكس تقدم الشعوب وازدهارها نتيجة وعيها لأهميةِ تدعيم الجهود الأهلية للنشاطاتِ الحكومية. ولعلّ سعي القيادات الإدارية في الدولِ المتحضرة إلى تشجيعِ هذا النمطِ التعاوني وتبنيه بقصدِ معالجة بعض المشكلات خير إثبات على فاعليته في تدعيمِ عملية التنمية.
أثبتت تجارب السنوات الماضية أنَّ الإجراءاتَ التطوعية والتكافلية الَّتِي قام بها الأهالي في مختلفِ مناطق العراق، كانت أكثر فاعلية من نشاطاتِ الغالبية العظمى من منظماتِ المجتمع المدني المسجلة في دائرةِ المنظمات غير الحكومية، حيث يمكن بسهولةٍ الاستدلال على ذلك من خلالِ التمعن بتواصلِ الدعم الشعبي المقدم من أبناءِ البلاد بجانبيه المعنوي واللوجستي إلى الحشدِ الشعبي، على الرغمِ من تفاقمِ انعكاسات الأزمة المالية على معيشةِ المواطن العراقي.
لابد من التأكيدِ هنا على عدمِ محدودية الجهد الأهلي في العراق، واقتصاره على المساهمة بتوفيرِ الدعم للمقاتلين في جبهات القتال، إنما هناك الكثير من الصورِ المشرقة، الَّتِي تعكس هوية الانتماء الوطني، ولعلّ من المناسبِ أنْ نقتطف منها هذه الفعاليةِ الطافحة بالمُثل الإنسانية والقيم النبيلة المشرقة، إذ تناخى الغيارى من أبناء قضاء الرفاعي بمحافظةِ ذي قار للمشاركةِ في بناءِ ملحق بمستشفى الرفاعي العام خاص بجهازِ ( الرنين المغناطيسي )، الذي كاد أنْ ينقل إلى مدينةٍ أخرى؛ بالنظرِ لعجزِ الحكومة المحلية عن تأمينِ التخصيصات المالية، الَّتِي تُمكن إدارة القضاء من إقامة البناء.
إنَّ جهودَ هيئة المواكب الحسينية في القضاء وبقية القائمين على إدارةِ مشروع بناء هذا الملحق، إلى جانبِ فاعلية المشاركة الشعبية بالتبرعاتِ المادية والتبرعاتِ العينية وجهد العمل، فضلاً عن تسخيرِ الخبرات الهندسية والفنية والمهارية، أفضت إلى إبرازِ الصورة الإنسانية للمجتمعِ وتجاوزت في واقعِها الموضوعي المفهوم التقليدي لمسألةِ إقامة بناية، كونها تعبيرا صادقا عن رغبةِ سكان المدينة في رفعِ مستوى الخدمات أو توسيع آفاقها عبر الانخراطِ بفعالياتِ تكاتف بوسعِها تطوير واقع البنى الارتكازية للقضاءِ من أجلِ رفع مستوى الخدمات البلدية والاجتماعية، ما يؤشر حيوية جمهور القضاء وإيجابية توجهاته في زيادةِ لحمة التماسك الوطني.
أجدُ من المهمِ الإشارة هنا إلى أنَّ فحصَ الرنين المغناطيسي يشكل وسيلة تصوير طبية آمنة، تُعتمد في عمليةِ تشخيصِ التغييرات المرضية في الأنسجةِ من دونِ إنتاج إشعاعات. وعلى الرغمِ من ارتفاعِ كلف الفحوصات بوساطةِ الرنين المغناطيسي، إلا أنها تحظى باهتمامٍ واسع في الميدانِ الطبي بفعلِ القدرة التشخيصية لهذه الأجهزة، الَّتِي تشكل نافذة إلى داخلِ الجسم البشري. وحسبنا التنويه إلى توجه وزارة الصحة العراقية في عامِ 2012 م لمحاولةِ توريد احدث أجهزة الرنين المغناطيسي بسبب ارتفاع نسب الأمراض السرطانية في البلاد.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.