إزدواجية «الناتو» في التعامل مع الأزمة .. الخلفيات والأهداف منعطف ميونخ السوري .. بين القضايا المعلنة والضرورة الملحة وواشنطن ترضخ لقواعد الميدان

20162161190741

المراقب العراقي – مصطفى الحسيني
أزمة “الهوية” هي من السمات البارزة التي لازمت حلف شمال المحيط الأطلسي (الناتو) خلال السنوات الأخيرة بسبب مواقفه المزدوجة من التطورات السياسية والأمنية التي يشهدها العالم لاسيما منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً فيما يتعلق بالأزمة السورية, ويعود سبب تخبط الناتو في مواقفه حيال هذه الأزمة إلى عدّة أمور يمكن إجمالها على النحو التالي:
• عدم إمتلاكه إستراتيجية واضحة المعالم تجاه الملف السوري,فمن جانب يدعو بعض أعضاء الناتو إلى ضرورة التوصل إلى تسوية سلمية لهذا الملف، في حين تدعو دول أخرى في الحلف إلى مواصلة العمليات العسكرية في سوريا في إطار ما يسمى “التحالف الدولي” الذي تقوده أمريكا بحجة محاربة الجماعات الإرهابية.
• تطالب بعض دول الناتو خصوصاً التي تواجه أزمة تدفق الآلاف من المهاجرين السوريين إلى أراضيها بضرورة إتخاذ خطوات عاجلة لمعالجة هذه الأزمة، في حين لاذت دول أخرى داخل الحلف بالصمت بعد أن نأت بنفسها عن تحمل أعباء هذه الأزمة من الناحيتين القانونية والإنسانية.
• تعاني بعض دول الناتو من تسلل الإرهابيين التكفيريين وتنفيذ عمليات إرهابية في أراضيها، ولهذا تطالب بضرورة إتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لهذه الظاهرة، في حين غضّت الطرف دول أخرى في الحلف عن هذه الأزمة، وذلك بعد أن ثبت تورطها بتسهيل عملية إنتقال هؤلاء الإرهابيين إلى سوريا عبر الأراضي التركية.
• ساهمت الكثير من دول الناتو في عملية سرقة وبيع النفط السوري عبر الأراضي التركية من خلال تقديم الدعم المالي واللوجستي للجماعات الإرهابية التي تنشط في سوريا لاسيما تنظيم “داعش” برغم إدعاء هذه الدول بأنها تسعى لمحاربة الإرهاب.
• سعى الأمين العام لحلف الناتو “ينس ستولتنبرغ” في الآونة الأخيرة إلى التنصل من مسؤولية الحلف إزاء الأزمة السورية، زاعماً أن المساهمة في تسوية هذه الأزمة ليس من إختصاص ووظائف الناتو، في حين يعلم الجميع مدى تدخل الكثير من دول الحلف في الشأن السوري.
• بادرت بعض دول الناتو لمباركة التدخل العسكري السعودي في الأزمة السورية، في حين دانت نفس هذه الدول الإنتصارات الكبيرة التي حققها الجيش العربي السوري على الجماعات الإرهابية خصوصاً في شمال غرب البلاد أو سعت إلى التقليل من أهمية هذه الانتصارات برغم زعمها بأنها تسعى للقضاء على الإرهاب.
• وافق الناتو على إرسال طائرات إنذار مبكر” أواكس” لتشديد المراقبة على الأجواء السورية القريبة من الحدود التركية، في حين رفض الحلف مشاركة روسيا في ضرب الجماعات الإرهابية في هذا البلد، زاعماً بأنها تمثل تدخلاً في الشأن السوري، متجاهلاً بأن هذه المشاركة حصلت بطلب وموافقة من الجانب السوري.
• هذه الأمور وغيرها جعلت المراقبين يصفون موقف الناتو إزاء الأزمة السورية بالمتذبذب والمتناقض، معربين في الوقت ذاته عن إعتقادهم بأن الإجتماعات التي يعقدها الحلف بين الحين والاخر في بروكسل أو غيرها من العواصم الغربية لمناقشة هذه الأزمة ليست سوى محاولات لإيهام الرأي العام بأنه يسعى لحل هذه الأزمة، في حين أثبتت الوقائع أن الحلف غير جاد على الاطلاق في هذا المجال,ليس هذا فحسب؛ بل يتهمه الكثير من المتابعين لشؤون المنطقة بأنه يعمل على إطالة أمد هذه الأزمة لتحقيق مكاسب سياسية على حساب دماء الشعب السوري ومستقبل أبنائه وسيادة وإستقرار بلاده.
لم يعد زخم الحديث عن التدخل البري في سوريا، كما كان منذ أسابيع,ولاسيما بعد مؤتمر ميونخ، والذي كان فيه كلامٌ بارزٌ لرئيس الوزراء الروسي “ديمتري مدفيديف”ولعل تحليل خطابه في المؤتمر يدل على حجم الصلابة التي كان يتمتع بها الطرف الروسي, ولكن الشيء الأبرز كان تراجع الحديث عن الخيار العسكري، ووضوح محاولة أمريكا الرضوخ لقواعد الميدان التي أرساها الطرفان الإيراني والروسي,وفيما كان بارزاً كلام الجيش التركي،عن عدم استعداده للخوض في غمار التدخل البري في سوريا دون تفويضٍ من مجلس الأمن,فكيف يمكن قراءة المنعطف السوري بعد مؤتمر ميونخ؟ ولماذا رضخت واشنطن وحلفاؤها؟ أرسى رئيس الوزراء الروسي “ديمتري مدفيديف”، يوم السبت، من خلال كلمته أمام مؤتمر ميونخ، قواعد جديدة لما وصفه بالحرب الباردة بين الأطراف الدوليين لاسيما موسكو و واشنطن,في حين شدَّد على أنه لا يرى أي داعٍ لإخافة الجميع بعملية برية في سوريا,وهنا ومن خلال تحليل خطاب “مدفيديف” وصولاً الى قراءة المشهد بشكلٍ متكامل، يمكننا قول التالي: لا شك بأن عدداً من الأسباب تكمن في تراجع إحتمالية توتر الميدان السوري نحو تدخلٍ بري,وهنا نُشير لسببين أساسيين مرتبطين,فقد نقلت صحيفة الغارديان البريطانية، بأن اللغة الصارمة التي استخدمها كلٌ من الطرفين الإيراني والروسي في ردات فعله على النوايا السعودية التركية، كانت كفيلة بردع تطور النوايا الى حالةٍ عملية وأشارت المصادر الأوروبية الى أن الرئيس الروسي “فلادیمیر بوتین”، طالب نظيره الأميركي “أوباما” بإيقاف تركيا ومنع تهورها، ووقف قصفها للأكراد ولمواقع عسكرية سورية, وكما طالب واشنطن بتقديم نصيحةٍ للرياض، لتخفيض اللهجة السعودية حول الأزمة السورية,وهو ما يدل على أن روسيا تعاطت مع الطرفين كأداةٍ بيد اللاعب الأمريكي، الى جانب أنها وجَّهت في الوقت ذاته رسائل واضحة للطرفين,ومن جهتها، لم تكن طهران أقل صرامةً في التعاطي مع الموقف, فقد حذرت من خلال قياداتها العسكرية لا سيما قائد الحرس الثوري، بأن الرد سيكون قاسياً جداً، وأن القوات السعودية ستتعرض لهزيمة كبيرة لو دخلت وهو الخطاب الذي كانت توجهه الى واشنطن, ولكنها عملت على فتح باب الحلول السلمية، من خلال توجيه رسائل دبلوماسية لمن يهمُّه الأمر، عبَّر عنها وزير الخارجية “محمد جواد ظريف”، من خلال حديثه عن إمكانية الوصول الى حلٍ للقضايا الإقليمية من خلال التعاون مع الرياض وأنقرة, ويضاف الى كل ذلك، فإن الدبلوماسية الذكية لإيران و روسيا و سوريا في ميونخ، أدت الى إرباك الدول الغربية وفي مقدمتها واشنطن الى جانب الدول الخليجية الداعمة للإرهاب في المؤتمر,حيث استطاعت هذه الدول المتحالفة في الميدان السوري، إفهام الأطراف الأخرى، بأن الخيارين، أي التدخل البري أو وقف إطلاق النار، كلاهما يعنيان الخسارة لهم,فوقف إطلاق النار سيشكل مقدمة لإندلاع المواجهات بين الجماعات الإرهابية في مختلف المناطق وبالتالي إقتتالها الداخلي، مما يعني إزدياد الخلافات بين كلٍ من تركيا والسعودية وأمريكا, وأما الخيار الثاني، فقد كان أسهل وأوضح، إذ أن الجميع بات يعرف من يُمسك بالميدان اليوم,وهنا بناءً لما تقدم، يمكن القول بأن واشنطن اختارت بين السيئ والأسوأ,ولعل ما كتبه “باتريك كوبرن” المحرر السياسي في صحيفة الإنديبندنت حول مكاسب وخسائر الأطراف بعد ميونخ، والذي أشار فيه الى أن واشنطن لم تخسر فقط عسكرياً وسياسياً،بل خسرت حتى قدرتها على المناورة السياسية والعسكرية,وهنا نقول التالي: لقد رسَّخ مؤتمر ميونخ الطرفين الروسي والإيراني، كلاعبين أساسيين في الأزمة السورية، والتي تأخذ طابعاً دولياً وهو الأمر الذي يعني الكثير على الصعيدين السياسي والعسكري وسيكون له أثرٌ كبيرٌ في رسم خارطة المنطقة الجيوسياسية. فقد أعاد مؤتمر ميونخ الإعتبار للنظام السوري كطرفٍ شرعيٍ في الأزمة السورية، كما أعطى كلاً من تركيا والسعودية أحجامها الحقيقية والتي ظهرت بأنها قد ترفع السقف السياسي في التصريحات لا أكثر,فيما يُعد الأمريكي صاحب القرار الفصل خصوصاً بعد فشل الطرفين بشكل كبير في أكثر من فرصةٍ لإحتواء خسارة الجماعات الإرهابية, وكما أن الميدان السوري، كان الحكم في كل التفاصيل, وما قام به حلف المقاومة الى جانب روسيا، من عزلٍ شبه تام للشمال السوري عن تركيا، يعني بأن التدخل العسكري التركي لم يعد يُجدي,وبالإضافة الى ذلك، فقد أسقط مؤتمر ميونخ دور ما يُسمى بالمعارضة المعتدلة، والتي كان من الواضح غياب الحديث عنها، من قبل الغرب,فيما جعلها في خبر كان ولتكون ضحيةً من ضحايا البراغماتية الأمريكية والإستغلال الغربي, والى جانب أنها تتحمل مسؤوليةً في مضيها قدماً كأداةٍ في مشروع واشنطن,وفيما يبدو من جهةٍ أخرى، بأن الأكراد أصبحوا من اللاعبين في الميدان السوري، وهو ما يُعزَّزه ما يحصل في الميدان من غض نظرٍ سوري روسي، عن تقدم الأكراد في الشرق,وإذن تراجعت إحتمالات التدخل البري أو تطور الأمور الى حربٍ في الميدان السوري,فلا السعودية قادرة على ذلك عسكرياً أو اقتصادياً, وكما أن تركيا مهما فعلت فهي لن تستطيع الخروج عن الطاعة الأمريكية،لتخسر هي و واشنطن بعد أن خسرت موسكو, فيما يجب القول بأنه لا بد من الحذر من الطرف الإسرائيلي والذي عبَّر عن امتعاضه من تطورات الميدان السوري, ولكن الأمر الواقع والذي أصبح حقيقةً يعرفها العالم بأسره، هي أن مؤتمر ميونخ شكَّل منعطفاً سورياً، جعل الجميع يرضخ لقواعد الميدان,فيما كانت واشنطن أول الراضخين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.