جهاد السمع في مدرسة أهل البيت «عليهم السلام»

لكل جارحة من جوارحنا حق يجب أن نؤديه،وهذا الأمر مفروغ منه وقد بينه أهل البيت(عليهم السلام) وخاصة الإمام السجاد(عليه السلام) في رسالة الحقوق..وليست رسالة الحقوق على اهميتها موضوع بحثنا اليوم بقدر تطرقنا إلى جارحة السمع وما لنا وعلينا كي نؤدي حقها وكيف يجب أن يكون جهادنا فيها وفق كلام أهل البيت(عليه السلام)..

المحرر

مسؤولية السمع وفضله
يقول تعالى:”وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا” سورة الإسراء:الآية 36.
إن هذه الآية تؤكد ما يقرره العقل من أن الإنسان مسؤول أمام كل نعمة وعن كل نعمة ومن أعظم النعم نعمة السمع التي هي أحد أهم أبواب تحصيل العلم النافع لكلا الدارين، ولذا تحدث الإمام الصادق(‏عليه السلام) عن هذه المسؤولية قائلاً: “يسأل السمع عما سمع والبصر عما نظر إليه والفؤاد عما عقد عليه” فقيمة السمع أن يحفظ على ما ينفع وان ينزه عما يضر. فالأذن يمكن أن تكون باباً لتلقي الحكمة،وباباً لمرور آيات الله إلى القلب كما يمكن أن تكون باباً للقذر من الكلام والمحرم منه وللإنسان أن يشرفه ويكرمه باستماع كل ما يليق بالعاقل والحكيم وتنزيهه عما لا يليق بهما”.
وفي فضل السمع يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):”جعل لكم أسماعاً لتعي ما عناها،وأبصاراً لتجلو عن عشاها(عن ضعف بصرها)”.
حق السمع
وللسمع حق على صاحبه قرره الإمام زين العابدين (عليه السلام) في رسالة الحقوق:”وأما حق السمع فتنزيهه عن أن تجعله طريقاً إلى قلبك إلا لفرصة كريمة تحدث في قلبك خيراً،أو تكسب خلقاً كريماً فإنه باب الكلام إلى القلب يؤدي إليه ضروب المعاني على ما فيها من خير أو شر ولا قوة إلا بالله”.
فلو كان السمع غاشاً لصاحبه غير أمين على ما يتلقاه كم في الحقائق تصبح باطلاً وكم من الباطل يصبح حقاً.
فإذا كان السمع أميناً وصادقاً يؤدي ما إتُمِنَ ويصدق في ما يأتي إليه فهل يا ترى يكون صاحبه عارفاً بالجميل إن ألقاه باتجاه أنواع الكلام البذيء،أو السفيه أو اللغو أو المحرم.
من السميع؟:إن القرآن الكريم وأهل بيت العصمة(عليهم السلام) يقسمون ذوي الأسماع إلى:”سامع، وأصم” لا باعتبار عطل حاسة أو جارحة السمع بل بتعطيل فائدتها.
فنقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى:”وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُون” سورة يونس:الآية 42.
فهم صم لا لعطل في الأذان ولكن لأنهم لا يتعقلون ما يسمعونه. وفي نظر المولى الكريم الذي له سمع ولا يستفيد منه ميت:”إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ” سورة النمل:الآية 80.
بل إنهم في نظر المولى ليسوا موتى فقط وإنما موتى وفي القبور،قبور الإعراض عن ذكر الله وقبول الهدى.على حد التعبير العامي:”ماتوا وشبعوا موتاً”.يقول تعالى:”وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ”سورة فاطر:الآية 22.فللحياة معيار عند المولى هو مدى استفادة الإنسان مما يسمع من آيات الله ودعوات الصلاح والهدى.وهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة يؤكد هذه المعاني قائلاً:”ما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ناظر ببصير”.بينما ترى في المقابل أن هناك من هم ذوو سمع هو اسمع الأسماع،فعن الإمام الحسن (عليه السلام)أنه قال:”..واسمع الأسماع ما وعى التذكير وانتفع به”،وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) أيضاً:”…إلا إن أسمع الأسماع ما وعى التذكير وقبله”.
أنواع السمع
السمع سمعان: سمع سيىء،وسمع حسن.
ـ السمع السيئ: قد يكون شريكاً لكل من يسمعه ومشاركاً في كل ما يسمعه “السامع شريك القائل”.
1- سماع الغيبة: عن أمير المؤمنين‏(عليه السلام):”سامع الغيبة أحد المغتابين”.
2- سماع الهجر من القول: عن أمير المؤمنين‏(عليه السلام):”سامع هجر القول شريك القائل”.
3- سماع الغناء: قال رجل للإمام الصادق(عليه السلام):إن لي جيراناً ولهم جوارٍ يَتَغَنَّين ويضربن بالعود،فربما دخلت المخرج،فأطيل الجلوس استماعاً مني لهن، فقال له(عليه السلام):”لا تفعل”،فقال:والله ما هو شيء آتيه برجلي إنما هو سماع أسمعه بأذني،فقال له الصادق (عليه السلام):”تالله أنت! أما سمعت الله عز وجل يقول:”إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئوولاً”؟!.فقال الرجل:كأنني لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله عز وجل من عربي ولا أعجمي! لا جرم أني قد تركتها،وأنا أستغفر الله تعالى”.
4- سماع كل محرم: عن الإمام الرضا (عليه السلام):”ففرض على السمع أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرم الله،وأن يعرض عما لا يحل له مما نهى الله عز وجل عنه،والإصغاء إلى ما أسخط الله عز وجل فقال في ذلك:”وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِه..”سورة النساء:الآية 140.
5- إستماع اللغو: يقول تعالى:”وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ” سورة القصص:الآية 55. ما العمل مع هذه الحالات وسواها فقد أمر الله بالإعراض فقال:”وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا”سورة الفرقان :الآية 72. فالمطلوب أن يكرم الإنسان نفسه وسمعه بأن لا يسمع أمثال هذا الحرام.
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام):”إذا سمعت من المكروه ما يؤذيك فتطأطأ له يخطك”.
ـ السمع الحسن:وعنه يتحدث أمير المؤمنين(عليه السلام)قائلاً:”من أحسن الاستماع تعجل الانتفاع”.والسمع الحسن يقسم إلى:
1- السمع الواعي: عن أمير المؤمنين(عليه السلام):”إذا لم تكن عالماً ناطقاً فكن مستمعاً واعياً”.وهذه الرواية بقيد صدرها يكون السمع الواعي هو سماع العلم،فكأنه(عليه السلام)عنى انه إن لم تكن أنت العالم الذي يلقي العلوم فكن مستمعاً للعلم بوعي والله أعلم.
2- سماع الكلام الحسن: لا شك مما تقدم أن إكرام السمع أن لا يستمع الإنسان إلى ما يشين من بذي القول أو السفه أو الكفر أو غير ذلك لكن تمام إكرامه بالاستماع إلى كل ما حسن الاستماع إليه من كلام،فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام):”لكل شي‏ء فاكهة وفاكهة السمع الكلام الحسن”.
3- سماع ذكر الله: عن أمير المؤمنين(عليه السلام):”سامع ذكر الله ذاكر”.
4- سماع الصلاح: عن أمير المؤمنين(عليه السلام):”عود أذنك حسن الاستماع ولا تصغ إلى ما لا يزيد في صلاحك”.لذا إن من أهم ما يتأدب به الإنسان مما يتعلق بسلوكه الاجتماعي هو أن يتعلم الإصغاء إلى مخاطبه واحترامه والإقبال إليه بسمعه ووجهه،والإصغاء يفترض أن يتحول إلى عادة نمهر بها سلوكنا في علاقاتنا مع الناس بل إن من التواضع ومن الحكمة أن تتلقى مخاطبك بالإصغاء وعدم التلهي والاشتغال بأمور توحي له بأنك غير مهتم له ولكلامه فقد يكون في ذلك أذية كبرى له،بل قد يكون في ذلك لك خسارة كبرى.ويكفي في حق مكلمنا علينا انه اهتم لنا واعتنى بنا فوجّه خطابه إلينا. وأهم من قام بذلك هو الله عز وجل الذي اعتنى بنا وبوجودنا وبهدايتنا فاختار من خير خلقه رسولاً لنا وأرسل إلينا كتابه يخاطبنا به ويكلمنا ألم يقل أهل بيت العصمة(عليهم السلام) إنه من أحب أن يكلمه الله فليقرأ كتاب الله فإن كان من الآداب أن نصغي لمخاطبنا خصوصاً إذا كان ذا غرض شريف ونبيل وكان فيه صالحنا وفائدتنا فإن في رأس أدب الإصغاء أن نصغي إلى كلمات الله وكلمات أوليائه وهو القائل في كتابه:”وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُوا” سورة الأعراف:الآية 204.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.