سقوط المماليك وهزيمة العثمانيين أمام الإحتلال البريطاني

 

لقد تفاقم النفوذ البريطاني في العراق في 1798 حين سمح سليمان باشا بتعيين ممثل بريطاني دائم في بغداد. ان تزايد التغلغل الأوربي هذا واحياء الحكم العثماني المباشر متزامنا مع الاصلاحات العسكرية والادارية وغيرها هي من ميزات القرن التاسع عشر البارزة في تاريخ العراق. ان اخر حاكم مملوك في العراق داوود باشا (1816 –- 1831 ) اتجه بصورة متزايدة نحو اوربا من اجل السلاح والخبراء لتدريب قواته العسكرية وعمل جاهدا من اجل تحسين المواصلات وترويج التجارة ففي هذا المجال فقد شابه نظيره في مصر محمد علي باشا. في الوقت الذي اقترب فيه محمد علي باشا اكثر الى فرنسا كانت بريطانيا تقوي باستمرار موقعها في الخليج والعراق..
ان سقوط داوود باشا يعزى جزئيا الى تصميم السلطان مراد الثاني ( 1808 – 39) لتقليص حكم المقاطعات والابقاء على السلطة المركزية لحكومته في كل انحاء الدولة. ان مما ادى الى ازالة داود باشا كان معارضوه في العراق من المماليك ، اضافة الى الفيضانات التي دمرت بغداد في 1831 والطاعون الذي اصاب سكانها في نفس السنة. كان المماليك راغبين دائما بمقاسمة السلطة الى حد ما مع مجموعات من الاشراف المحليين – شيوخ العشائر في الريف وجماعات تسكن المدن ممن لهم علاقات مع المعسكرات والبيروقراطين والتجار او نخبة رجال الدين. ولا تشمل فئة رجال الدين العلماء فحسب بل رؤوس المتصوفين والعوائل الاشراف والقيمين على المراقد والاضرحة العظيمة – من السنة والشيعة. كما لم يكن باشوات المماليك في بغداد يتمتعون باستقلالية عن حكومة السلطان كما يبدو في بعض الاحيان. لم يكن داود هو الاول الذي يخلع بالقوة. لقد كان الباشوات عادة يقدمون مساهمات مالية ومن خلال ممثليهم في العاصمة فهم يقدمون الهدايا الى الموظفين الكبار في القصر والباب العالي حيث يمكن ان يساعدوا في تنصيبهم
ولاية مدحت باشا ( 1869 –- 1872)
ان اكثر التغيرات اثارة في العراق تلك التي ارتبطت بادخال النظام الاقليمي العثماني الجديد وولاية مدحت باشا ( 1869 – 72). كان مدحت باشا احد مهندسي قانون الولاية العثماني لعام 1864، ولقد طبقه بنجاح كبير في ولاية تونا ( مقاطعة على الدانوب) قبل وصوله الى بغداد في 1869 مع زمرة منتخبة ومصطفاة من المساعدين والمستشارين
لقد برز مدحت باشا وجه بغداد بان امر بتدمير قسم من جدار المدينة القديم لكي يفسح المجال للتوسع الحضري . ولقد اسس “الترامواي” الى ضاحية الكاظمية، وحيقة عامة، ونظام اسالة، ومستشفى ومصانع نسيج، ومصرف توفير، وعبّد وانار الطرق، واقام الجسر الوحيد على نهر دجلة في المدينة الذي استمر لغاية القرن العشرين. وفتح العديد من المدارس الجديدة، وطبع العديد من الكتب المدرسية الحديثة بالمطبعة التي انشاها مدحت باشا ، كما تاسست في عهده اول صحيفة في العراق، باسم الزوراء. ومن اجل تطوير الاقتصاد، فقد طور خدمات الزوارق البخارية المنتظمة في دجلة والفرات كما طور الملاحة في الخليج، وانشا مسفن لتصليح السفن في البصرة، وبدا عمليات الحفر في شط العرب، وادخل بعض التحسينات على نظام الري، ووسع انتاج التمور في الجنوب. وانشأ المجالس البلدية والادارية وفق قانون الولايات الجديد وفرض التجنيد الالزامي
امتدت سلطة مدحت باشا بعدّه واليا لبغداد وقائدا للجيش العثماتي السادس، شمالا لتشمل الموصل، وكركوك والسليمانية اضافة الى البصرة والحسا في الجنوب. قاد بنفسه حملة تفتيش الى الكويت والحسا ومستغلا الفرقة بين افراد العائلة السعودية فقد سعى الى تاكيد السيادة العثمانية على طائفة الوهابيين في نجد. ان نجاحه في سعيه الاخير كان مؤقتا كما كانت معظم المشايع التي بدأ بها مدحت باشا. الا ان مدة حكمه القصيرة وضعت اسسا للتطورات وغيرت اساسا كل مناحي الحياة في العراق وربطته باسطنبول بصورة اكبر مما كانت عليه في السابق
الإصلاحات العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.