ما بين الإصلاح الإداري والتعديل الوزاري!!

لا يخامرنا شك في أنَّ الحاجةَ قائمة إلى إصلاحِ الجهاز الإداري في العراق، لأجلِ تمكينه من مغادرةِ إخفاقاته في المدةِ الماضية، الَّتِي عكست عدم مواكبته ما حصل من تغييراتٍ متسارعة في البيئةِ المحيطة، إلى جانبِ عجزه عن مواجهةِ ما ظهر من أزماتٍ على الصعدِ كافة، ما أفضى إلى إخفاقِها في تأمينِ احتياجات الشعب الراهنة، ولاسِيَّمَا البلدية والاجتماعية. وضمن هذا السياقِ أعلن رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي عزمه إطلاق حزم إصلاحٍ جديدة، يبدو من حديثه المتلفز حول تفاصيلها اطمئنانه إلى نجاحِها، ومتهماً في الوقتِ ذاته ما وسمها بـ ( قوى الشر ) بعرقلةِ الإصلاحات، الَّتِي أعلنها في وقتٍ سابق.
إنَّ معاناةَ الاقتصاد العراقي من مشاكلٍ جدية في ظلِ الأزمة الأمنية الخانقة، تبدو على الأغلبِ العامل الرئيس، الذي فرض على رئيسِ الوزراء الركون إلى التخطيطِ لإجراءِ تغييراتٍ في كابينته الحكومية من خلالِ آلية إصلاحية تقضي بتعيين وزراء تكنوقراط بدلاً من الذين جرى تعيينهم سابقاً بالاستنادِ إلى معيارِ الانتماء السياسي بقصدِ تحقيق انعكاسات إيجابية على الموازنةِ العامة للدولة.
تعددت توصيفات ( الإصلاح الإداري )، غير أنَّ أكثرَها قبولاً من قبلِ جمهورِ الباحثين والمتخصصين في علمي الاجتماع والإدارة، هو ما يعبر عن جهدٍ سياسي وإداري واجتماعي وثقافي وإرادي هادف بقصدِ إحداثِ تغييرات أساسية إيجابية في السلوكِ والنظم والعلاقات والأساليب والأدوات، تحقيقاً لتنميةِ قدرات وإمكانيات الجهاز الإداري بما يؤمن له درجة عالية من الكفاءةِ والفعالية في إنجازِ أهدافه.
من خلال الإمعانِ في مفهومِ الإصلاح الإداري الذي تقدم ذكره نجد انه قائم على ثلاثِ دعامات رئيسة، أولها ذات صبغة سياسية تبغي صياغة جديدة لطبيعة العلاقة ما بين القيادات الإدارية وباقي عناصر المجتمع، في إشارةٍ إلى أنَّ مشاكلَ الجهاز الإداري وليدة السياسة، الَّتِي تنحدر من قمةِ الهرم السياسي. وثانيها يَحمل جنبة اجتماعية تؤكد أهمية مراعاة الوسط الاجتماعي عند الشروع بعمليةِ الإصلاح الإداري بوصفه العامل الذي تحتاجه هذه الفعالية لإكسابِها الشرعية، الَّتِي تلزم الجمهور استيعابها والالتزام بمضامينِها، فما تتجسد الدعامة الأخيرة بالجانبِ الإداري، الذي يلزم القائمين على مشروعِ الإصلاح الإداري تخطيطاً منظماً لأجلِ القيام بتغييراتٍ في أنظمة الإدارة العامة بالمواقع التي يثبت الواقع معاناتها من اضطراباتٍ أدت إلى إخفاقِها في أداءِ مهماتها بشكلٍ فعال وكفاءة عالية.
يمكن القول إنَّ شعورَ الدكتور العبادي جدياً بحقيقةِ تنامي أزمات البلاد وضعف موارد تكوين الدخل كانت مدخلاً لبرنامجه الإصلاحي الذي دعا فيه مجلس النواب إلى التعاونِ مع الحكومةِ لتطبيق هذا التوجه في كلمته الَّتِي وجهها إلى الشعبِ العراقي، واصفاً فيها المرحلة الَّتِي تمر بها البلاد بـ ( الخطيرة ).
إنَّ الجدلَ السياسي الذي أعقب إعلان رئيس الوزراء عزمه إطلاق حزم إصلاحٍ جديدة، وما ظهر من السيناريوهاتِ والدعوات والمطالبات، الَّتِي تبنتها مختلف الكتل السياسية المشتركة في العمليةِ السياسية، ولاسِيَّمَا اشتراطها مرور التعديل الوزاري على إداراتِها يعكس أهمية اهتداء القيادات الإدارية إلى أسلوبِ الإصلاح الإداري الذي يضمن نقلة نوعية في الرؤى والتوجهات، الَّتِي بوسعِها إخراج البلاد من عنقِ الزجاجة، إذ لا جدوى من البحثِ في موضوعِ الإصلاح في غيابِ الإرادة الحقيقية المؤمنة بأهميةِ التغيير، ولعلّ ما يثير الدّهشة في هذه اللحظةِ التاريخية الحاسمة ركون بعض الكتل السياسية إلى ترويجِ إشارات بخصوص تشكيل حكومة ظل أو حكومة إنقاذ أو حكومة تصريف أعمال وما شابه ذلك، بالإضافةِ إلى حديثِ بعضها عن مباركةِ السفارة الأمريكية لإصلاحاتِ الدكتور العبادي المرتقبة!!.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.