ضياع الفرص الاستثمارية في العراق !!

لا أخطئ في القولِ إنَّ المعضلاتَ الموروثة من أيامِ النظام السابق، ولاسِيَّمَا سوء الإدارة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، فضلاً عن كارثةِ الحروب وثقل تداعياتها، الَّتِي في القلبِ منها سنوات الحصار الاقتصادي، ساهمت في تفعيلِ مجموعة العوامل المؤثرة بزيادةِ شدة الأزمات وتفاقم بعضها، فضلاً عن نشوءِ أخرى في أعقابِ التغيير السياسي الذي شهدته البلاد عام 2003 م. ولعلّ ما يثير الدّهشة هو إخفاق حكومات المرحلة الانتقالية في مهمةِ وضع الأسس السليمة لعمليةِ النهوض السريع بجميعِ القطاعات الإنتاجية المؤثرة في تكوينِ الدخل، لأجل تفعيل التنمية الاقتصادية، الَّتِي تُعَدُّ في عالمِ اليوم أبرز المقاصد الحيوية بتوجهاتِ الدول المتقدمة، بالإضافةِ إلى بعضِ الدول النامية، ولاسِيَّمَا العراق الذي ما يزال بحاجةٍ ماسة إلى تنميةِ العامل الاقتصادي؛ بالنظرِ لأهميته في تأمينِ ما تتطلب البلاد من مناخاتٍ لتطويرها، وبخاصة تنمية منظومة الخدمات البلدية والاجتماعية، بوصفِها في مقدمةِ الأنشطة الملامسة لوجدانِ المواطن.
على مدى أكثر من عشرةِ أعوام، عبرت معطيات مسيرة القيادات الإدارية في العراق عن خيبتها في إزالةِ آثار الدمار الذي لحق بمقدراتِ البلاد نتيجة حروب النظام السابق العبثية، بالإضافةِ إلى عدمِ تمكنها من وضعِ لبناتٍ أساسية لبناءِ عراق جديد بمقدورِ قطاعاته المساهمة بتحقيقِ أغلب التوجهاتِ المتوافقة مع عمليةِ التحول الديمقراطي، فعلى سبيل المثال لا الحصر أخفقت الحكومات بمهمةِ الانتقال من الاقتصادِ الشمولي إلى اقتصادِ السوق، الذي يلزمها تقديم كامل الدعم للقطاعِ الخاص وتفعيل مفاصله، إذ ما تزال سياسة البلاد الاقتصادية رهينة التخبط وتعدد الرؤى، الَّتِي فرضتها مشكلة المحاصصة، وما أفرزته من مفاهيمٍ جديدة مثل الديمقراطية التوافقية وغيرها. وضمن هذا المعنى يُعَدُّ الاستثمارَ أبرز القطاعات الَّتِي خيبت بتواضعِ ما أفرزته من نتائجٍ أماني الشعب المتطلع إلى ظهورِ مخرجاتٍ تعكس بفاعليةِ آثارها نجاح مختلف إدارات البلاد في سياساتِها الرامية لإعادةِ بناء البنى التحتية، وإعمار وتأهيلِ ما دُمر بفعلِ الحروب والعمليات الإرهابية من مشروعاتٍ اقتصادية واجتماعية.
يشار إلى فعاليةِ توظيف المال في أي نشاطٍ أو مشروع اقتصادي يعود بالمنفعةِ المشروعة على أي بلدٍ باصطلاحِ الاستثمار، الذي يشكل بالاستنادِ إلى التجاربِ العالمية أهم الركائز، الَّتِي يمكن توظيفها في مهمةِ تطوير المجتمعات على الصعدِ كافة. وفي ظلِ قساوة الازمة الاقتصادية الَّتِي يعيشها العراق، إلى جانبِ صور الإهمال الصادمة لأغلبِ مشروعات البناء والإعمار طوال أكثرِ من عقدٍ من الزمانِ، ولاسِيَّمَا الخدمية منها، يبرز الاستثمار بوصفه أفضل الحلول وأكثرها كفاءةً في منحى إخراج البلاد من عنقِ الزجاجة، إلا أنَّ واقعَ الحال يعبر عن وجودِ بيئةٍ غير مطمئنة للمستثمرين، حيث أنَّ سوقَ الاستثمار العراقي ما يزال يفتقر إلى الكثيرِ من الإجراءاتِ الَّتِي من شأنِها المساهمة بإقامةِ مناخٍ استثماري جاذب لرؤوسِ الأموال الأجنبية والمحلية.
إلى جانبِ عاملي الأمن والطاقة، كان لسيادةِ البيروقراطيةِ في وزاراتِ الدولة ومؤسساتها الأخرى دور هام في إعاقةِ ظروف إخصاب البيئة العراقية الجاذبة للاستثمارِ الأجنبي. ولعلّ من المناسبِ الإشارة هنا إلى دعوةِ هيئة استثمار البصرة في الثامنِ عشر من الشهرِ الحالي رئاسة مجلس الوزراء لأجلِ حث وزارة النفط على التعاونِ مع مستثمرٍ لبناني يعتزم إنشاء معملٍ لإنتاجِ اسطوانات الغاز في المحافظة، مع العرضِ أنَّ الغايةَ الرئيسة من إقرارِ مبدأ النافذة الواحدة هو تسهيل وتنظيم واختصار الخطوات المتعلقة بعمليةِ الاستثمار في العراق، فضلاً عن توفيرِ الحماية اللازمة لرؤوسِ الأموال والمشروعات الاستثمارية من جميعِ أشكال الإعاقة الَّتِي قد يتعرض لها المشروع اثناء معالجة معاملته ما بين دوائر الدولة، وبما يقلل من احتمالاتِ ضياع الفرص الاستثمارية في البلاد!!.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.