عقيـدة التوسـل بالـذوات الطاهـرة وأصولها الروائية عند الأمم

لاتلاتا

لم یكن التوسّل بالصالحین والطیبین والمعصومین والمخلصین من عباد الله أمراً جدیداً في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده بل كان ذلك امتداداً للسیرة الموجودة قبل الإسلام،ولا يتبادر لذهن البعض أن التوسل قبل الإسلام كان من  المشركين بل كان من  الأنبياء(عليهم السلام) وكتب أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) تغص بمثل هذه الروايات ناهيك عن الروايات التي نقلت في الكثير من كتب أهل السنة ومن بينها كما سيأتي الرواية المنقولة عن عمر والتي تبين كيف توسل نبي الله آدم(عليه السلام) برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). ونحن بدورنا اليوم نضع قسماً من هذه التوسلات ليكون القارئ على علم بأنّ الفطرة السلیمة تدعو الإنسان إلى التوسّل بالموجودات الطاهرة لجلب رحمته تعالى..إستسقاء عبد المطلب برسول الله”ص” وهو رضیع
ومن الروايات إنّ عبد المطلب(رضوان الله عليه) استسقى بالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو طفل صغیر، حتى قال ابن حجر: إنّ أبا طالب(رضوان الله عليه) یشیر بقوله:
وأبیض یستسقی الغمام بوجهه ثمال الیتامى عصمةٌ للأرامل
إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حیث استسقى لقریش والنبی معه غلام.فتح الباری: 2/398، ودلائل النبوة: 2/126.
إستسقاء أبي طالب برسول الله”ص” وهو غلام
أخرج ابن عساكر عن أبي عرفة، قال: قدمت مكة وهم في قحط،فقالت قریش،یا أبا طالب أقحط الوادي،وأجدب العیال،فهلم فاستسق،فخرج أبو طالب ومعه غلام یعني النبي (صلى الله علیه وآله وسلم) كأنّه شمس دجى تجلّت عن سحابة قتماء،
وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بإصبعه الغلام وما في السماء قزعة فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا وأغدق وأغدودق وانفجر له الوادي وأخصب البادي والنادي ففي ذلك يقول أبو طالب(رضوان الله عليه)
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم
فهم عنده في نعمة وفواضل
وقد كان استسقاء أبي طالب(رضوان الله عليه) برسول الله(صلى الله علیه وآله وسلم)وهو غلام،بل استسقاء عبد المطلب به وهو صبي أمراً معروفاً بین العرب،وكان شعر أبي طالب ـ الذي ذكرنا ـ في هذه الواقعة مما یحفظه أكثر الناس.
ویظهر من الروایات أنّ استسقاء أبي طالب(رضوان الله عليه) برسول الله(صلى الله علیه وآله وسلم) كان موضع رضا منه (صلى الله علیه وآله وسلم) فانّه بعدما بعث للرسالة استسقى للناس فجاء المطر وأخصب الوادي فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): لو كان أبو طالب حیّاً لقرّت عیناه، ومن ینشدنا قوله؟،فقام علي (علیه السلام)وقال:یا رسول الله(صلى الله علیه وآله وسلم) كأنّك أردت قوله:وأبیض یستسقى الغمام بوجهه ثمال الیتامى عصمةٌ للأرامل.. إرشاد الساري: 2/338.
توسل آدم”ع” برسول الله”ص”
وفي هذا المورد ننقل حديث عمر كما جاء في كتاب مجمع الزوائد للهيثمي ج8،ص253. عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله (ص) : لما أذنب آدم (ع) الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى العرش فقال :أسألك بحق محمد إلاّ غفرت لي ، فأوحى الله إليه وما محمد قال : تبارك إسمك لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فرأيت فيه مكتوباً لا إله الا الله محمد رسول الله فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدراً ممن جعلت إسمه مع إسمك فأوحى الله إليه يا آدم انه آخر النبيين من ذريتك ولولا هو ما خلقتك.وقد رواه أيضاً الحاكم في المستدرك ـ كتاب تواريخ المتقدمين – ومن كتاب آيات.. – رقم الحديث : ( 4228 )،كذلك رواه إبن كثير في البداية والنهاية ج1،ص91،و السيوطي في الدر المنثور ج1،ص58،والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ج1،ص 101 ـ 102 وآخرون.
التوسل بالأطفال للإستسقاء
إنّ التوسّل بالأطفال في الاستسقاء أمر ندب إلیه الشارع،قال الدكتور عبد الملك السعدي:”من السنّة أن نُحرج معنا إلى الصحراء الشیوخ والصبیان والبهائم لعلَّ الله یسقینا بسببهم ” .عبد الملك السعدي: البدعة في مفهومها الإسلامي: 49.
هذا هو الإمام الشافعي یقول في آداب صلاة الاستسقاء:”وأحب أن یخرج الصبیان، ویتنظفوا للاستسقاء، وكبار النساء،ومن لا هیبة منهنّ،ولا أحبّ خروج ذات الهیبة،ولا آمر بإخراج البهائم”.ابن إدریس الشافعي: الأُم: 1/230..
فما الهدف من إخراج الصبیان والنساء الطاعنات في السن،إلاّ استنزال الرحمة بهم وبقداستهم وطهارتهم؟ كل ذلك یعرب عن أنّ التوسّل بالأبریاء والصلحاء والمعصومین مفتاح استنزال الرحمة وكأن المتوسّل یقول:ربّي وسیّدي!! الصغیر معصوم من الذنب،والكبیر الطاعن في السن أسیرك في أرضك،ولكلتا الطائفتین أحقّ بالرحمة والمرحمة. فلأجلهم أنزل رحمتك علینا، حتى تعمّنا في ظلّهم.إنّ الساقي ربّما یسقي مساحة كبیرة لأجل شجرة واحدة،و في ظلّها تُسقى الأعشاب وسائر الخضراوات غیر المفيدة.
توسّل عمر بعمّ رسول الله”ص”
روى البخاري في صحیحه قال: كان عمر بن الخطاب إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه) وقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إلیك بنبیّنا فتسقینا،وأنّا نتوسّل إلیك بعمّ نبیّنا فاسقنا،قال:فيسقون.البخاري:الصحیح: 2/32 باب صلاة الاستسقاء.
والحدیث صحیح السند فما ظنك بروایة رواها البخاري،لكن من لا یروقه التوسّل بالذوات الطاهرة أخذ یؤوّل الحدیث بأنّ الخلیفة توسّل بدعاء العباس لا بشخصه ومنزلته عند الله. وأضاف على ذلك أنّه لو كان قصده ذات العباس لكانت ذات النبي(ص) (صلى الله علیه وآله وسلم) أفضل وأعظم وأقرب إلى الله من ذات العباس، بلا شك ولا ریب، فثبت أنّ القصد كان الدعاء.التوصل إلى حقیقة التوسّل: 253.
لا أظنّ أن أحداً یحمل شیئاً من الإنصاف، یسوِّغ لنفسه أن یفسر الحدیث بما ذكره أی التوسّل بالدعاء، لأنّ في الموضوع نصوصاً تردُّ ذلك وإلیك الإشارة إلیها:
1 ـ قول الخلیفة عند الدعاء..قال:”اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إلیك بنبیّنا فتسقینا، وإنّا نتوسّل إلیك بعمّ نبیّنا فاسقنا “. وهذا ظاهر في أنّ الخلیفة قام بالدعاء في مقام الاستسقاء،وتوسّل بعمّ الرسول في دعائه، ولو كان المقصود هو التوسّل بدعائه، كان علیه أن یقول: یا عمّ رسول الله كنّا نطلب الدعاء من الرسول فيسقینا الله،والآن نطلب منك الدعاء فادع لنا. صحیح البخاري، باب صلاة الاستسقاء: 2/32.
2 ـ روى ابن الأثیر كیفية الاستسقاء فقال: استسقى عمر بن الخطاب بالعباس عام الرمادة لمّا اشتدّ القحط،فسقاهم الله تعالى به، وأخصبت الأرض،فقال عمر: هذا والله الوسیلة إلى الله والمكان منه.وقال حسان:
سأل الإمام وقد تتابع جدبنا فسقى الغمامُ بغُرّة العباس
عمِّ النّبي وصنوِ والده الذي ورث النبي بذاك دون الناس
أحیا الإله به البلاد فأصبحت مخضرّة الأجناب بعد الیاس
ولمّا سُقي طفقوا یتمسّحون بالعباس ویقولون: هنیئاً لك ساقي الحرمین. الجزري: أُسد الغابة: 3/111 طبع مصر.وهنا يجب إمعان النظر في قول عمر:هذا والله الوسیلة.3 ـ ویظهر من شعر حسّان أنّ المستسقي كان نفس الخلیفة وهو الداعي حیث قال:”سأل الإمام… ” وكان العباس وسیلته لاستجابة الدعاء.
قال الدكتور عبد الملك السعدي:”وقد أوّلوا حدیث العباس بأنّ عمر طلب من العباس أن یدعو لأنّهم كانوا إذا أجدبوا طلبوا من رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) أن یدعو لهم فكذا هنا طلب الدعاء من العباس. وهذا التأویل غیر مقبول لوجهین:
الوجه الأوّل: إنّ السنّة أن یدعو الإمام نفسه والقوم یؤمَّنون وهذا ما حصل حیث كان الداعي هو سیدنا عمر لا العباس.
الوجه الثاني: إنّ نص الحدیث لا یدل على أنّ عمر طلب الدعاء من العباس بل كان هو الداعي،بدلیل قوله:اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل.. إلخ وهذا عین الدعاء ولم یرد أي لفظ یشیر إلى أنّه قال للعباس: ادع لنا بالسقیا.ومع ذلك فأي خلل یحصل في الدین أو العقیدة إذا أجرینا النص على ظاهره وتركنا العناد والتعصّب؟
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:”ویستبین من قصة العباس استحباب الاستسقاء بأهل الخیر والصلاح وأهل بیت النبوّة و فيه فضل العباس، وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقّه.عبد الملك السعدي: البدعة في مفهومها الإسلامي: 46.
وأظنّ أنّ هذه الروایات الصحیحة لا تبقي شكاً ولا ریباً في خلد أحد عن جواز التوسّل بالصالحین.
وأمّا ما ذكره من أنّه لو كان المقصود،التوسّل بذات العباس لكان النبي بذلك أفضل، وأعلم، فيلاحظ علیه أنّ الهدف من إخراج عمّ النبي إلى المصلّى وضمّه إلى الناس هو استنزال الرحمة،فكأنّ المصلّین یقولون ربّنا لو لم نكن مستحقّین لنزول الرحمة، لكن عمّ النبي مستحقّ لها،فأنزل رحمتك إلیه لتریحه من أزمة القحط والغلاء وعندئذ تعمّ الرحمة لغیر العباس، ومن المعلوم أنّ هذا لا یتحقق إلاّ بالتوسل بإنسان حي یكون شریكاً مع الجماعة في المصیر و في هناء العیش ورغده لا مثل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الراحل الخارج عن الدنیا والنازل في الآخرة، نعم یجوز التوسّل بشخصه أیضاً ولكن لا بهذا الملاك بل بملاك آخر لم یكن مطروحاً للخلیفة في المقام.ولو افترضنا صحّة ما یُدَّعى من أنّ الخلیفة توسّل بدعاء عمّ النبي (صلى الله علیه وآله وسلم) لكنّه عبارة أُخرى عن التوسّل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لبّاً إذ لولا صلته به لما قُدِّم للدعاء.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.