مأزق حكومة الدكتور حيدر العبادي

 

الصدمة العنيفة، الَّتِي تلقتها الدول المنتجة للنفطِ على خلفيةِ تهاوي أسعاره لمستوياتٍ متدنية في الأسواقِ العالمية، كانت من شدةِ التأثير بحيث أنها ألقت بظلالٍ واسعة على الواقعِ الاقتصادي في العراق، حيث أفضت إلى إصابةِ القيادات الإدارية بالإرباكِ حيال مهمة مواجهة تداعياتها، فضلاً عن إضرارِها بجميعِ قطاعات البلاد؛ بالنظرِ لاعتمادِ عملية بناء الدخل بشكلٍ رئيس على الإيراداتِ المتحققة من فعاليةِ بيع النفط الخام.
بعد مرور أشهر عدة على إقرارِ الحكومة العراقية إجراءات إصلاحية بقصدِ تدعيم ميزانية الدولة، اتضح خيبة الرهان الحكومي في مواجهةِ هذه الأزمةِ الخانقة بعد أنْ أصبح دخل المواطن أحد مصادر تعزيز الدخل القومي في ظلِ تنامي وتائر الأزمة الأمنية، الَّتِي واكبتها صراعات سياسية عكست عدم جدية بعض أطراف العملية السياسية في التنازلِ عن امتيازاتِها، وما حصلت عليه من مكاسبٍ في الأعوامِ الماضية، الأمر الَّذي أدى إلى تعقيدِ مهمة حكومة الدكتور حيدر العبادي في محاولتِها إخراج البلاد من مأزقِ أزمتها الاقتصادية، فلم يتبق لها من الخيارات سوى الركون إلى سياسةِ البرامج التقشفية البسيطة لأجلِ المساهمة بتغطيةِ العجز الَّذي تعانيه الموازنة العامة.
إنَّ تآكلَ مضامين الإجراءات الإصلاحية، الَّتِي أعلنها الدكتور العبادي في المدةِ الماضية، كان من شأنه ركون حكومته لاجتهاداتٍ ورؤى ترقيعية من دونِ إخضاع آلياتها إلى البحثِ والتحليل من قبلِ المتخصصين في الشأنِ الاقتصادي، الأمر الَّذي ساهم في إمكانيةِ لجوء الحكومة إلى معالجاتِ ممكنة التطبيق مثل الاستقطاع من رواتبِ الموظفين والمتقاعدين وزيادة الضرائب والرسوم ورفع أسعار بعض الأنشطة الخدمية، على الرغمِ من عمقِ إدراكها بثقلِ مضامين هذه التوجهاتِ على مداخيلِ المواطنين في بلدٍ يعيش نحو ( 30% ) من إجمالي نفوسه تحت خط الفقر بحسبِ البيانات الحكومية، فضلاً عن محاولةِ بعض أصحاب القرار والجهات الفاعلة في المشهد السياسي العراقي إقناع السلطة التنفيذية بالشروعِ في بيعِ عقارات الدولة، الَّتِي أثيرت حول ملفها شبهات فساد في أروقةِ البرلمان العراقي، ولاسِيَّمَا الأحاديث الَّتِي أطلقها بعض أعضاء اللجنة المالية النيابية في مختلفِ الوسائلِ الإعلامية.
من نافلةِ القولِ إنَّ ركوبَ موجة هذه الإجراءات، يلزم الحكومة توجيه جميع الإدارات باعتمادِ التخطيط العلمي في عمليةِ إقرار برامجٍ جادة بوسعِ آلياتها تحقيق أهدافها بنجاحٍ وفاعلية، إذ تقتضي سلامتها أنْ تكون محدودة التأثير على قدرةِ المواطن الشرائية في هذا الظرفِ العصيب، ولعلّ خير مصداق على ما تقدم هو التدابير، الَّتِي أعلنتها مؤخراً وزارة الصحة من أجلِ تعزيز إيراداتها، وتدعيم مهمة مواجهة عجز الموازنة عبر رفعها أجور الفحص والمعاينة في جميعِ وحداتها الطبية، بالإضافةِ إلى إلغاءِ مجانية بعض أنشطتها الأخرى.
إنَّ اهتداءَ الحكومة إلى استراتيجيةِ التقشف عوضاً عن تقليلِ الإنفاق غير المبرر لجميعِ المفاصل الحكومية من هرمِها حتى أدنى مستويات قاعدتها سبيلاً لتغطيةِ العجز المالي، كانت نتائجها تشير إلى عدمِ فاعليتها في محاولةِ الخلاص من براثنِ الأزمة الاقتصادية، بوصفِها معالجات مرحلية لا ترقى إلى مستوى الحلول الجذرية، بالإضافةِ إلى الخشيةِ من بشاعةِ نتائجها على المدى المتوسط.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.