نمط جديد من الحروب

قلق تكتنفه مخاوف، يسود الشارع المحلي حيال تصاعد حمى التجاذبات السياسية بشأنِ الآليات، الَّتِي يمكن الاهتداء بها في مهمةِ تحرير الموصل، وما أفرزه هذا المخاضِ من رؤى يستند بعضها إلى رواسبٍ وعقد طائفية، في المقدمةِ منها ما يتعلق بالموافقةِ على مشاركةِ فصائل الحشد الشعبي من عدمه في هذه المنازلةِ الوطنية والإنسانية، الَّتِي تفرض على جميعِ الأطراف السياسية العمل على ركنِ ما يعيق موجبات الانتماء الوطني جانباً، ولاسِيَّمَا المواقف السياسية الخاضعة لوصايةٍ دولية أو إقليمية، لأجلِ توحيد الصفوف وحشد جميع الطاقات وتوجيهها بما يؤول إلى تعزيزِ الجهد العسكري.
في ظلِ هذه الظروفِ العصيبة التي تمر بها البلاد، لا جدال في تنامي الحاجة إلى تحديدِ ما يظهر من مخاطرٍ بمقدورِها التأثير على أمنِ المجتمع وسلامة أفراده بقصدِ إدارتها والسيطرة عليها من أجلِ تحجيم آثارها وتطويق مسبباتها، سعياً في إدامةِ زخم المعركة ورفع معنويات المقاتلين في جبهاتِ القتال، إلا أنَّ الأيامَ الماضية كانت حبلى بإفرازاتٍ طبعت المشهد العراقي بأحداثٍ ومفاجآتٍ قاسمها المشترك ينحى صوب إثارة الفوضى وإضعاف هيبة الدولة، غير أنَّ ما أثار الاستغراب والريبة والذهول هو ظهور بوادر حرب اقتصادية ما بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان في أعقابِ إعلان اللجنة العليا لمتابعةِ مرض ( الأنفلونزا الوبائية ) بمجلسِ الوزراء العراقي، في الخامس والعشرين من شهرِ كانون الثاني الماضي منع استيراد محافظات الوسط والجنوب مادة بيض المائدة وجميع منتجات الدواجن والطيور الحية من اقليمِ كردستان، بالإضافةِ الى جميعِ دول الجوار على خلفيةِ رصد حالات إصابة بمرض إنفلونزا الطيور في عددٍ من حقول الدواجن العاملة بالإقليم، ووجود بؤر للمرضِ في الدولِ المحاذية للإقليم، فضلاً عن شروعِ هذه اللجنةِ باتخاذِ عددٍ من الإجراءات، الَّتِي تفرضها مهمة منع انتقال المرض إلى بقيةِ محافظاتِ البلاد.
على الرغمِ من أنَّ موجباتَ إصدار هذا القرارِ تعود إلى الخشيةِ من وجودِ إصاباتٍ بمرضِ إنفلونزا الطيور إثر رصد حالتين في محافظةِ دهوك، فأنَّ وزارةَ زراعة إقليم كردستان أصدرت أمراً بمنعِ مرور المنتجات الزراعية المنتجة في إقليم كردستان أو المستوردة من الدولِ الأخرى عبر أراضي الإقليم إلى محافظاتِ جنوبي البلاد، إلى جانبِ خفض نسب المياه المتدفقة من الإقليمِ إلى المحافظاتِ الجنوبية عبر نهر دجلة في حالِ استمرار عمل الحكومة المركزية بمضامينِ هذا القرار. وأدهى من ذلك تبرير إدارة زراعة الإقليم قرارها، بوصفه رد فعل ومعاملة بالمثل، لقناعتها أنَّ هذه التدابيرِ اتخذت بالاستنادِ إلى قرارٍ سياسي من بغداد!!.
إنَّ تهديداتَ إدارة زراعة الإقليم بقطعِ المبادلات التجارية وإطلاقات المياه عن محافظاتِ الوسط والجنوب تُعَدُّ خرقاً لضوابطِ منظمة الصحة العالمية، الَّتِي تؤكد على حجرِ منتجات أي منطقة تصاب بإنفلونزا الطيور، فضلاً عن مخالفتها للدستور، الَّذي لا يجيز استخدام إجراءات انتقامية، إذ أنَّ صحةَ الإنسان هدف سامٍ لا يمكن المساومة عليه، والمياه ثروة عامة ليس من حقِ أحد حجبها والاستِحواذ على خيراتِها.
التقارير العالمية تشير إلى أنَّ إمداداتَ المياه العذبة لن تواكب على الأرجحِ الطلب العالمي بحلول عام 2040 م، الأمر الَّذي ينذر بمزيدٍ من عدمِ الاستقرار السياسي، وإعاقة النمو الاقتصادي، وتعريض أسواق الغذاء العالمية للخطر، فضلاً عن قدومِ ( حرب مياه )، ولاسِيَّمَا في دولِ الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا، فهل ستكون حروب البيض والدجاج والبط والوز وعلي شيش مقدمة لها؟.
لا يخامرنا شك في أنَّ الحكومةَ المركزية ملزمة بإيضاحِ الحقائق لأجلِ درء الفتن والحفاظ على وحدةِ البلاد، فقد سئم الشعب مما يسمعه من غرائبَ لاوجود لها حتى في أكثرِ بلدان العالم تخلفاً، وحسبه مواجهة ما يعيشه من أزماتٍ سياسية واقتصادية واجتماعية.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.