رسائل مريدي وأبو غريب

الهجوم الذي نفذه ثلاثون مسلحاً سنياً, على ناحية خان ضاري قرب ابو غريب, لم يكن سوى هجوم انتحاري, لا يمتلك أهدافاً أكبر من إحداث ضجة إعلامية, وارباك الوضع الأمني, في خاصرة رخوة للعاصمة بغداد، فلا يمكن لهذا العدد, ان يسيطر على منطقة أو يمسك بها, مع الوجود الكثيف للقوات الامنية والحشد الشعبي، اضافة الى أهمية المنطقة, التي لا بدَّ ان تستنفر من أجلها جميع القوات الامنية، وبالنتيجة قُتل المهاجمون جميعا, وقتلوا عدداً أقل من عددهم, ولكن أهدافهم كانت أكبر من ذلك, ورسالتهم اوسع من المنطقة التي هاجموها.
أما الهجمات التي نفذها اربعة انتحاريين, في مدينتي الشعلة والصدر, فهي من النمط السهل, الذي لا يتطلب أكثر من تجهيز الانتحاريين, من بين أوساط النازحين, المتواجدين في الاعظمية والدورة والغزالية, وأطراف بغداد التي تحولت الى أوكار, تنشط فيها تنظيمات تستغل وجودهم, لتنفيذ عمليات مدفوعة الأجر، وكان الهدف من التفجيرات واضحاً, وهو ايقاع اكبر عدد ممكن من الضحايا, لإحداث صدمة بين الناس, تهيئ لردود أفعال طائفية، وبالنتيجة نجح المخططون بقتل وجرح المئات من الشيعة, بأقل عدد من المهاجمين، إلا ان أهداف مخططي ومنفذي هذه الهجمات, تبقى أكبر حجماً.
قد يتساءل البعض لماذا يتحرك الارهابيون في اوقات دون أخرى, وكيف تفسر قدرتهم على قيادة هجمات منظمة وعنيفة, وخصوصا في بغداد, وهم في حالة انهيار عسكري ونفسي واضح، مع مرور فترة طويلة, دون ان ينفذوا عملية واحدة من هذا النوع، وتسلط الاجابة على هذا التساؤل المشروع, الضوء على طبيعة الجهات التي تنفذ هذه العمليات، والتي تريدنا أجهزة الدعاية, ان نطلق عليها اسم داعش أو القاعدة ، وربما سنستخدم أسماء جديدة مستقبلا, تتناسب ومرحلة الصراع ومتطلباته, وهذا يعني اننا أمام هجمات مدروسة, وتدار من غرفة عمليات محترفة, تريد إيصال رسائل محدودة, قد لا تكون مفهومة لعامة الناس, ولكنها واضحة المعالم, اذا ما ربطت بما يجري من أحداث, وتطورات سياسية وأمنية, وما يدور خلف الكواليس, من صفقات ومخططات يراد لها ان تتحقق في العراق، ومن يبحث في خفاياها, لا بدَّ أن يتمكن من تفكيك شفرتها, والتوصّل إلى تفسير ما بين سطورها.
لا شك إن مرحلة داعش قد انتهت, ولم تعد تشكل إلا واجهة وذريعة, لمرحلة جديدة تعيد صياغة المخطط, وفق معطيات تأخذ بنظر الاعتبار, أن أهم أسباب فشل داعش في مهمتها, هو بروز القوة العسكرية لفصائل المقاومة الإسلامية والحشد الشعبي، وبالتالي لا يمكن لأمريكا وحلفائها, الذين يقفون وراء صناعة داعش, إغفال ان هذه القوة ستشكل لاحقا, مصدر خطر حقيقياً على أي مخطط يعملون على تمريره في العراق، وهذا ما يؤرق صانع القرار الأمريكي, لذلك يلجأ اليوم إلى أسلوب الترهيب, لتمرير أجنداته التي على رأسها, الموافقة على إنهاء دور فصائل المقاومة والحشد الشعبي, وتمرير قوانين العفو العام والحرس الوطني, وإنهاء ملف المصالحة الوطنية, ثم بعد ذلك الانتقال إلى مرحلة إنشاء الإقليم السني, وهذا يعني أننا أمام صفحة جديدة, من توظيف الإرهاب وفق معادلات, وضعت بين ثنايا الرسائل التي تضمنتها تفجيرات الشعلة وسوق مريدي, ولا اعتقد ان شعباً تعرّض طيلة سنوات ما بعد الاحتلال, الى كم هائل من التفجيرات والتهديدات الأمنية, يمكن أن يرضخ لهذه اللعبة القذرة, والترهيب قد يجدي نفعاً مع المهزومين, ومن وضعوا أنفسهم في خدمة أمريكا, إلا انه يمثل لشعب العراق, فرصة أخرى لترسيخ مبدأ المقاومة, التي أصبحت ثقافة ومنهجاً.

محمد البغدادي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.