العراق.. الدخول الإماراتي على خط الأجندة السعودية

عادل الجبوري
شهر واحد فقط فصل بين تصريحات السفير السعودي في العراق ثامر السبهان،وتصريحات وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد،ضد الحشد الشعبي. ومثلما لم تأت تصريحات السفير السبهان عفوية وغير محسوبة،فإن تصريحات الوزير عبد الله هي الأخرى لم تكن عفوية.وحينما نريد الحديث عن الدوافع والأهداف والأجندات،فمن دون أدنى شك إن فضاءات المواقف والتوجهات الإماراتية لا تختلف شيئاً عن فضاءات المواقف والتوجهات السعودية،اللهم إلا في تفاصيل وجزئيات صغيرة،تمثل في جانب كبير منها انعكاسا لطبيعة العلاقات التاريخية المتأزمة دوما بين الطرفين بحكم التنافس والصراع الخفي في بعض الأحيان،والمعلن في أحيان أخر حول الهيمنة والنفوذ على المشهد الخليجي،لاسيما في عنوانه الاقتصادي.
بعبارة أخرى يمكن القول،انه حتى لو لم يكن هناك تنسيق بين الرياض وأبو ظبي في مواقفهما إزاء الحشد الشعبي، بل وعموم العملية السياسية في العراق، فإن الانسجام والتناغم بينهما يبدو واضحا الى حدٍّ كبير، على الرغم من أن أبو ظبي تحاول باستمرار الظهور بمظهر الداعم والمساند للعراق،على عكس الرياض،التي لا يتردد كبار ساستها في التعبير عن مواقف متسرعة وانفعالية تفتقر الى الحكمة وبعد النظر.
ولعله من الخطأ أن تشكل تصريحات وزير الخارجية الإماراتي، التي وضع فيها الحشد الشعبي وكل التشكيلات التي تواجه الإرهاب في العراق وسوريا ودول اخرى في الخانة نفسها لتنظيم داعش وجبهة النصرة وبقية الجماعات الإرهابية المسلحة، ومن الخطأ ان تشكل مفاجأة لكل من سمعها، لسبب بسيط جدا، هو انها في واقع الامر جاءت معبرة عن حقيقة النهج الاماراتي في التعامل السلبي مع الشأن العراقي وملفات المنطقة الاخرى في سوريا واليمن والبحرين.
وفيما يتعلق بالعراق،فقد احتضنت الإمارات لأكثر من اثني عشر عاما الكثير من الشخصيات السياسية والأمنية التي كانت تحظى بمختلف أشكال الدعم الخليجي وهي تعمل على افشال العملية السياسية وإعادة الأمور الى الوراء، وإذا كانت الإمارات قد نأت بنفسها عن تنظيم المؤتمرات والفعاليات السياسية المضادة للعراق، فإن أجهزتها الأمنية والمخابراتية كانت وما تزال تفرد الكثير من جهدها لإيذاء العراق والعراقيين،فهي من جانب تساهم في تسهيل إرسال الإرهابيين بعد تدريبهم وتأهيلهم الى العراق،ومن جانب اخر تقدم للجماعات الإرهابية المعلومات التي تتيح لها تنفيذ العمليات الإرهابية المسلحة،ومن جانب ثالث تعمل على اثارة الفتن وبث الخلافات وتكريس التقاطعات عبر تقديم الدعم لقوى وشخصيات سياسية ودينية معينة انطلاقا من حسابات طائفية،وحتى قومية،في نفس الوقت الذي تتمكن فيه من الإحاطة بمختلف تفاعلات الأحداث والمواقف،وما يجري خلف الكواليس والأروقة السياسية الخاصة.
ليس هذا فحسب،بل ان وسائل الاعلام الاماراتية،وتلك الممولة من المال الإماراتي،لم تترك مناسبة إلا وأساءت فيها للعراق بأشكال وصور مختلفة ناهيك عن بعض مراكز الأبحاث والدراسات التي تدور في فلك السياسة الاماراتية من خلال ارتباطها او تبعيتها الى مؤسسات رسمية مهمة، مثل وزارة الخارجية الاماراتية، وجهاز المخابرات، مراكز الدراسات والبحوث هذه تكمل الدور الذي تقوم به وسائل الاعلام وأجهزة المخابرات والمنابر الدينية،الى جانب المؤسسات المالية والاقتصادية التي تتولى توفير الدعم المالي للجماعات الإرهابية وتكون غطاء لعمليات غسيل الأموال المسروقة والمهربة من العراق.
واللافت ان الإمارات تشارك تحت مظلة التحالف الدولي في العمليات العسكرية ضد داعش كما تدعي،بيد انها في حقيقة الأمر تدعم الإرهاب الداعشي اكثر مما تقاتله – هذا اذا كانت تقاتله فعلا – وأنها مع السعودية وقطر وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وقوى إقليمية ودولية أخرى توفر شتى أشكال الدعم لداعش وغيره من التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا واليمن،وتحارب المتصدين له، لاسيما قوات الحشد الشعبي، ولولا ذلك الدعم لما بقي الإرهاب يهتك الحرمات ويعتدي على المقدسات ويدمر الممتلكات ويزهق الأرواح ويسفك الدماء حتى الآن.
والحقيقة التي لا بدَّ من التأكيد عليها هنا،هي ان المواقف السعودية ـ الإماراتية ضد الحشد الشعبي لا تخرج عن سياق المحاولات المحمومة لإقصائه وتهميشه ومنعه من الاشتراك في عمليات تحرير الموصل،على الرغم مما حققه من انتصارات تاريخية مشرفة عديدة خلال اكثر من عام ونصف العام من المواجهة مع داعش. وهذه المحاولات،هي جزء من “أجندة” تشارك فيها وسائل إعلام عراقية وعربية وأجنبية،وأوساط ومحافل وشخصيات سياسية خارجية وداخلية،وأجهزة مخابرات،وحكومات دول،ومن السهل جداً تلمس أبعادها وتشخيص أهدافها وتتبع خيوطها،وتحديد نقاط التلاقي بين أطرافها مع وجود اختلافات وتقاطعات كثيرة وكبيرة فيما بينها.ولأن الجهات العراقية الرسمية وغير الرسمية (خاصة الشعبية منها) تدرك جيداً أبعاد تلك “الأجندة” وكل خلفياتها ودوافعها،فقد سارع الشارع العراقي والكثير من الأوساط السياسية والبرلمانية غير المرتبطة بالأجندة الأمريكية ـالتركية السعودية ـ الإماراتية..للتعبير بكل وضوح عن إدانة واستنكار تصريحات الوزير الإماراتي مثلما أدانت واستنكرت بالأمس تصريحات السفير السعودي في بغداد.وهذا يعني رفضا واستهجانا من أعلى المستويات إلى أدناها،ذلك أن قوى، وأحزاب، وشخصيات سياسية، وغير سياسية،ووسائل إعلام،وفئات اجتماعية،عبرت بذات الموقف الواضح بالرفض والإستهجان،ما يعني أن هناك مناخا عراقيا عاما رافضا بقوة أية إساءة للحشد الشعبي وتجاوزا على العراق وتدخلا في شأنه الداخلي… وهذه رسالة مهمة وعميقة ينبغي ان يفهمها ويتأمل بها اصحاب القرار في “أبو ظبي” وقبلها الرياض وأنقرة وواشنطن والدوحة وعواصم أخرى.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.