Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

خطيئة التطرف .. إنتهاك صريح للمنجز البشري

نمكحت

علي حسين عبيد
من أروع المنجزات التي حققها العقل أنه ساعدنا على أن نبني حياة تليق بنا، ودفعنا دائما نحو كفة المعرفة والعلم على حساب الجهل والتطرف، وبذلك أخذت رحلة الانسان تتقدم شيئا فشيئا باتجاه المعاصرة والرقي ولم تتوقف عند حد معين، فجديد الامس هو قديم اليوم وجديد اليوم هو قديم الغد وهكذا تتواصل الرحلة الانسانية وتتقدم من انجاز الى آخر ليس على الصعيد المادي فحسب بل على الصعيد الفكري الذي يتضمن الفروع المعنوية الاخرى كالأخلاق والدين والاعراف ومنظومة القيم كافة.
لهذا لم يعد التعصب والتطرف يليق بالعصر الراهن بعد أن قطع الانسان رحلة طويلة وقاسية في تشذيب الادران الكثيرة التي ألحقها التعصب والقبلية والتطرف بمسيرة الانسان، لذا فإن أي مؤشر يظهر بخصوص التطرف في النشاط الانساني يُنظر له بعين ساخطة مزدرية ورافضة في آن واحد، ولا ينحصر هذا في المواقف الفردية بل غالبا ما نلاحظ توجها جمعيا نحو رفض التعصب بإعتباره أصبح من مخلفات الماضي حيث لا تنبغي العودة إليه تحت أية مبررات كانت مهما كانت الدوافع التي تقف وراءها.
وحين بزغت هنا وهناك مثل هذه المواقف المتطرفة ولطخت وجه الحضارة المعاصرة بزغت اصوات مضادة لها وارتفعت عاليا بالرفض والادانة كونها لا تتسق مع روح العصر وتتناقض مع التضحيات الجسيمة التي قدمتها البشرية على طريق تحقيق التواؤم الانساني واستقراره وتطوره في آن.
ولعل آخر هذه المواقف المتعصبة التي جوبهت بها حضارة العصر هي دعوة أحد القساوسة الامريكيين الى حرق نسخ من القرآن الكريم تحت حجج ومبررات لاترقى الى السلامة الانسانية قط، وقد أثارت هذه الدعوة المتطرفة حفيظة اوساط كبيرة وواسعة لم تنحصر بالمسلمين فقط بل تعدتهم الى امم اخرى ومن بينهم مسيحون رفضوا دعوة هذا القس المتعصب للقيام بهذه الفعلة التي لا تتسق قط مع حضارة العصر التي تحققت للانسانية بعد مخاضات عصيبة وصراعات دامية من اجل تهذيب النفس الانسانية وتشذيبها من الاهواء الفردية والجماعية المغالية في آرائها ودعواتها.
لذا ليس من المستغرب أن نلاحظ تناقضا كبيرا بين دعوة القس المتطرفة لحرق المصحف المبارك وبين الخلل الواضح في اسس الحضارة الغربية ومساراتها ايضا، فهي الحاضنة الرئيسة التي نشأت فيها دعوة القس المذكور، ولابد أن يتم البحث من لدن المعنيين من الغرب أولا بالاسباب التي أفرزت مثل هذه الدعوات المتعصبة.
بمعنى أننا نستغرب ظهور مثل هذه الدعوات في وسط انساني يدّعي تصدر الحضارات المعاصرة، ويؤكد على قيادة المسيرة الانسانية، فثمة تناقض واضح وكبير بين القول والفعل وبين التعصب الواضح والملموس وبين القول المهذب، ولابد أن تكون هناك اسباب تقف وراء ظهور مثل هذه الدعوات المرفوضة ليس من لدن المستهدفين بها وإنما من لدن البشرية التي تتقاسم المعمورة منذ أن بدأت رحلة الحياة فيها باعتبارها معنية بالخلل والاخطار التي لابد أن تتمخض عن مثل هذه الدعوات المتطرفة.
إن قادة الحضارة والمهتمين بشأن العالم مدعوون جميعا الى النظر بدقة الى مثل هذه الدعوات المتعصبة والمرفوضة جملة وتفصيلا، وذلك من أجل حماية المنجزات التي تحققت لصالح الانسانية عبر مسيرتها الطويلة والشائكة، ولا يجوز أن تمر مثل هذه الاخطاء الجسيمة من دون بحث وتقص عن الاسباب التي أسهمت بظهورها والنتائج التي أدت إليها او التي قد تقود إليها لاحقا.
فليس مقبولا بعد هذا التأريخ الطويل للمنجزات الانسانية على طريق التحرر والتنوع والتعايش البشري أن يتغاضى الانسان عن مثل هذه الاخطاء التي قد تبدو غير ذات أهمية في بدايتها او أنها ليست مؤثرة على مسار العلاقات المتبادلة بين الامم، لكنها في حقيقة الامر لابد أن تترك آثارها في مسار الحضارة الراهنة.
ولابد أن تتعاضد الجهود الفردية والجماعية بين المعنيين بتلاقح التجارب والافكار البشرية من اجل التنبيه على اهمية مغادرة بؤر التوتر والتعصب والعمل على تجفيفها بالتحاور والطرق السلمية الاقناعية المتبادلة بين الجميع وذلك من اجل الحفاظ على ما تحقق من منجزات علمية واخلاقية متضافرة كانت ولا تزال تصب في صالح البشرية جمعاء.
وهكذا فإننا جميعا نتفق على رفض التعصب أيا كان مصدره او نوعه او اسبابه، وحتما سنتفق على مقارعته بالاساليب السلمية المقبولة من لدن الجميع حفاظا على ما تحقق في الجانب الايجابي من حضارتنا الانسانية المعاصرة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.