خـــطــوة

تنخمت

هيثم البوسعيدي
قذفتني السيارة إلى أولى دروب الحياة، درب يوثق ذاكرة جسد وروح، يقع بين عدة أسوار تنتهي إلى الوطن…
على مسرح الأفكار تتجاذب مشاهد الماضي والحاضر، وفي كل زاوية من زوايا الأسوار تاريخ أنفاس وصدى أحلام…
كم أشتهي أن أسافر إلى عالم المستحيل؟ كم أتمنى أن أعود إلى زمن الطفولة؟
بين ذاتين استرجع شريطا حافلا… فجأة اقرأ عبارة تلوح بين سطور السراب: كيف تمكن هاجس تلك الورقة من اختراق قلبي حتى أوقد لهيبا متصاعدا يأبى الانطفاء؟
في لحظة خاطـفـة تذكرت مشهـد جـلـوسي عــلى ساقــية الــوطن تحــت ظلال السدرة، كان نهارا ممطرا، كنت أطالع باستمتاع ديوان “مفدي زكريا” وأبياته التي تحاكي عظمة الحب وشرارة الثورة.
انسحـب سـريعـا كي أتـوجه نحو شــرارة الحكاية، أعـيد قراءة ما حدث طول الدرب الترابي، لم أنم طول الليل، كـنـت احـلـم بالورقة لأنها ستدفعني إلى معانقة لحظات ارتياح مـؤقتة، قضيت نصف الليل في تصميم خارطة الخيارات وعواقبها؛ وعلى النقيض كانت تترسخ داخلي فكرة الخشية من الأنياب الجارحة التي ستـظـل تـطـاردني حـتى آخــر ساعات العمر ما لم أعثر على حل.
أشيائي الدفينة الموزعة بين احتمالات ومخاطر تتراءى في مرآتي الحديثة…قررت أن أرحل إلى الوطن رغم وحشة الظلام، إنها رحلة وفاء وفداء…
أخرج مـن باب البيـت بـسـرعة…لـم أهـتـم بسـقـوط المطر…انتهت قدماي إلى الوطن رغم مشقة الطريق…اسندت ظهري على جذع أول كائن غرسته يداي قبل عشرين عاما.
دارت في بالي عدة صورة عتيقة، أذكر جيدا حينما احتضنتني النخلة وأنا أحمل جذوة ملتهبة مزقت خيوط أوهامي وحرقت أحاديثي الحالمة.
أذكر أيضا كيف أنني اكتشفت قيمة الموت باكرا حينما رحل جسد “أبي” بينما ظلت أنفساه وذكرياته عالقة بالتراب والشجر وسماء الوطن، أذكر أن الجميع تفاجأ بغيابي عن مشهد رحيله إلى عالم الموت، كنت أفر إلى وطنه ووطني حتى أكُذب جملة أنه رحل ولن يعود.
أهمل جسدي الملطخ بالطين وأهمل معه أصوات الحشرات، تصلبت وأنا أشاهد السواد يغزوني من كل الجهات، فجأة أذوب في سكرة الغياب، أرمق يدا خشنة استندت إلى شرعية ضالة فأباحت لنفسها أن تـعـبث…تــتــمدد…تســلب “الوطن” …تنهش قطعة غالية مــن الروح، لم تسرق التراب أو الزرع أو الهواء إنما سرقت تاريخ جسد وأرشيف ذاكرة.
رحل الوطن بعيدا، انطلق إلى عنان السماء وفارق جسده بلا رجوع، عندئذ لم أعــد أبالي بمخالب الحسرة التي قذفت برأسي نحو جدار صلب حتى تناثرت دماؤه في كل مكان.
افقت من نومي، اجمع شتات الافكار، قررت لا شعوريا أن اشتري تلك الورقة مهما كان الثمن وبأي طريقة كانت، لذا فقد اخترت الولوج إلى مصير غامض.
سأتجه نحو ذلك المكان كي أحصل على نقود الورقة، عند الصباح أبلغت النفوس الوجلة بخيار صعب: “سأشتري تلك الورقة بذلك الثمن وبتلك الطريقة كي أفوز بالوطن”.
شعرت بنيران حارقة حينما دخلت ذلك المكان، فكم عاهدت نفسي أنني لن أعود إليه؟ أتساءل: هل هو حلم؟ دقات قلبي تتلاحق بجنون، أُمسك القلم بصعوبة …أصابعي ترتعش…خرجت وأنا أظن أنني انزلقت في نفق مظلم لن استطيع الخروج منه…
استلمت وسلمت ثم اقتنيت الورقة التي كنت أحلم بها خلال أيام…
شيء ما يُعيدني لحالة الوعي بقوة، أقترب من باب الوطن، أشعر بأحاسيس مختلفة لأول مرة، أغض الطرف عن كل شيء، أتساءل: هل أختلس فرحة عابرة بعد ما جرى؟ هل أبشر القبر الذي ضم جسد أبي بأنني امتلكت الورقة؟
أتعجب في هذه اللحظة أنني لست قادرا على احتمال وجع بدأ يتصاعد حتى تجذر داخل أعماق الروح، نثر عشرات التساؤلات ونشر مئات الأفكار بأن ما قمت به كان فظيعا رغم طهارة السبب.
لم أكن أتخيل أن ينتابني وجع يستنزف كثيرا من طاقتي الذهنية، انخرط في موجة أنين طويل…يخيل لي أن مياه الوطن لن تمسح الدناسة التي لحقت بي وسأحرم من اليد الحانية التي تمتد لي من أقاصي السماء.
أتناسى الورقة الآن فها هـو وجع الخــطوة يُبحر بي إلى حيث لا مرسى ويقودني إلى طـريق مجهول، سأمشي فيه بمفردي وسأبقى وحيدا كما كنت، لا أحد يضمني سوى الوطن وذكرياته.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.