مرثية العلم العراقي !!

بحسبِ المصادر التاريخية، كانت حاجة الإنسان إلى تحديدِ الهوية أو بقصدِ الإشارة الدافع الرئيس لاستخدامه قبل ما يقرب من ألفِ سنة قبل الميلاد ما يشار إليه في عالمِ اليوم باسمِ ( العَلَم ). ومن البديهي أنْ يشمل تطور المجتمعات الإنسانية الأنماط البدائية للأعلام، لتظهر بنماذجٍ تحمل في تصاميمِها رموزاً وأشكالاً وألواناً تجسد المشرق من تأريخِ البلدان وعراقتها، فضلاً عن الدلالةِ على وحدةِ شعوبها وتلاحم أبنائها حتى أضحى العَلَم رمزاً للولاءِ والانتماء وغيرهما من المعاني السامية، الَّتِي فرضتْ على حكوماتِ مختلف بلدان العالم سعياً حثيثاً لترسيخِ الوعي في أذهانِ النشء الجديد بالأهميةِ الاعتبارية والمعنوية لعَلَمِ البلاد ومكانته الرمزية في النسيجِ الاجتماعي، الَّتِي من شأنِها المساهمة في تعزيزِ المواطنة الصالحة وإبراز هوية البلاد، إلى جانبِ تعميق ما بوسعه إثارة مشاعر الجمهور حيال مهمة المحافظة على وحدةِ أراضي البلدان وشعوبها، إذ أنَّ العَلَمَ يُعَد في طليعةِ رموز السيادة الوطنية ودلالاتها، الَّتِي ينبغي أنْ تكون موضع احترام من الجميع، فلا يجوز المساس بها تحت أي مسوغٍ أو ظرف بوصفِها عنواناً للسيادةِ والاستقلال وبطاقة للتعريفِ بالهويةِ الوطنية.
لا مغالاة في القولِ إنَّ العَلَمَ العراقي يُعَد في مقدمةِ الرموز الوطنية تعرضاً للظلمِ في العراق بعد أنْ تجاوزتْ حالات الإهمالِ فضاءاتِ المشهدِ المحلي المتمثلة بإغفالِ دوائر الحكومة ومؤسساتها مهامها الوظيفية في عمليةِ سحب الأعلام العراقية الممزقة من أماكنِها ووضع أخرى جديدة محلها لأجلِ المحافظة على مكانتِها المجسدة لكرامةِ البلاد وعزها، إذ تفشت ظاهرة تجاهل أهمية العَلَم وقيمته الدلالية في المحافلِ الدولية، ولاسِيَّمَا ما ظهر من ممارساتٍ أقدم عليها بعض السياسيين والسفراء والعاملين بالسلكِ الدبلوماسي، بالإضافةِ إلى غيرهم من الذين يمثّلون بلادنا في المحافلِ الدولية، فعلى سبيل المثال لا الحصر امتنع سفيرنا في أثينا نهاية العام الأسبق 2014 م عن رفعِ العلم العراقي خلال مشاركته في سباقٍ للركضِ أقيم في شرقي أوروبا.
ولعلّ أحدث الممارسات المسيئة لشعبِ العراق، وأكثرها إثارة للاستغرابِ هو اختفاء عَلَم العراق المعتمد رسمياً من مجموعةِ أعلام البلدان، الَّتِي شاركت في مؤتمرِ اتحاد برلمانات الدول الإسلامية، الَّذي استضافت فعالياته عاصمتنا الحبيبة في العشرينِ من شهرِ كانون الثاني الماضي، حيث ظهر عَلَم العراق بنموذجه الَّذي يعود لزمنِ النظام السابق، فضلاً عن تصدره صفحة أوراق محضر اجتماع اللجنة التنفيذية للمؤتمر. وأدهى من ذلك الإعلان الخجول لمديرِ الدائرة الإعلامية في مجلسِ النواب، الَّذي برر هذه الإساءةِ بفعلٍ غير مقصود متأتٍ من عدم تمييز الأمانة العامة لاتحادِ مجالس الدول الأعضاء في منظمةِ التعاون الاسلامي ما بين العلمين القديم والجديد، وكأن المنطقة الخضراء قد انتقلت من بغداد إلى مقاديشو!!.
على وفقِ ما تقدم، وفي ظلِ مساوئ آليات حكومة المحاصصة، بالإضافةِ إلى ما ابتكره ساسة العراق من مفاهيمٍ حديثة في مقدمتِها الديمقراطية التوافقية، يبدو أنَّ ارتهانَ رفع العَلَم العراقي بالإشارةِ إلى أراضينا، الَّتِي يجري تحريرها من دنسِ شذاذ الآفاق، وتطهيرها من رجسِ المحتلين وأعوانهم من العملاءِ والخونة بحاجةٍ إلى التأملِ بعنايةٍ في مشهدِ العَلَم العراقي محتضناً جثامين شهداء الوطن.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.