أمير المؤمنين «عليه السلام» والهجوم على دار الزهراء «عليها السلام»

علي العلي
إن الهجوم على دار أمير المؤمنين (عليه السلام)والذي أصيبت خلاله السيدة الزهراء(ع) لم يكن الأول من نوعه,فقد هوجم بيت الإمام(ع) أكثر من مرة،فهناك حملتان مماثلتان شنهما القوم بقيادة الخليفة الثاني,وفي كل مرة كان الإمام علي (ع) يتصدى لهجومهم،لكن في المرة الثالثة شاءت المقادير أن يكون الإمام علي(ع) في داخل الدار والزهراء(ع) في باحتها,أو خلف الباب كما تذكر بعض الروايات،لذا كانت هي (ع) من تصدى لهذه المسوخ حينها،على أن الهجوم الذي وقع وتخلله الاعتداء على الزهراء (ع) جاء بعد مدة من المحاجّة بين الزهراء (ع) والقوم،فلم يكن مقرراً أن يهجموا بهذا الشكل المفاجئ,فقد كان من غير المتوقع بحسب العادة ومجاري الأمور,بعدها كسر الباب وتم اقتحام الدار,وهنا استغاثت الزهراء (ع),فهبَّ أمير المؤمنين (ع) كالليث من داخل بيته بمجرد أن سمع استغاثة الزهراء (ع) عند الباب،فأخذ بتلابيب عمر وطرحه أرضاً ووجأ أنفه ورقبته وجلس على صدره وهمّ بقتله لولا أنه تذكر عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له:”يا بن صهاك! والذي أكرم محمداً(ص) بالنبوة؛لولا كتاب من الله سبق وعهد عهده إليَّ رسول الله لعلمتَ أنك لا تدخل بيتي”..فلا يتوهم الجهّال أن الإمام علياً (ع) كان ساكتاً ينظر والعياذ بالله،،أما ما الكتاب وما العهد، فهو ما تتكفل الرواية التالية بتبيينه:
روى الشيخ الكليني (قدس سره) في “الكافي” عن أبي موسى الضـرير،قال:حدَّثني موسى بن جعفر (عليهما السلام)،قال:”قلت لأبي عبد الله:أليس كان أمير المؤمنين(ع) كاتب الوصيّة،ورسول الله(ص) المملي عليه،وجبرئيل والملائكة المقرَّبون عليهم السلام شهود؟ قال:فأطرق طويلاً،ثمّ قال:يا أبا الحسن قد كان ما قلت،ولكن حين نزل برسول الله(ص)الأمر،( يعني الموت )نزلت الوصيّة من عند الله كتاباً مسجَّلاً،نزل به جبرئيل مع أُمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة،( أي الملائكة الذين عندهم دور ومهام الأمانة ونزلوا مع جبرائيل) فقال جبرئيل: يا محمّد،مُرْ بإخراج من عندك إلَّا وصيّك؛( أي كل الجالسين عنده يخرجون إلا علياً) ليقبضها منّا،وتشهدنا بدفعك إيّاها ( أي نحن هنا اليوم شهود لا لنعطي الوصية ونذهب بل نشهد عليك أنك أعطيت الوصية) إليه ضامناً لها يعني علياً (ع)،فأمر النبيّ(ص) بإخراج من كان في البيت ما خلا علياً(ع)،وفاطمة(ع) فيما بين الستر والباب،(أي سمح لفاطمة بأن تبقى بين الستر والباب)؛فقال جبرئيل:يا محمّد ربّك يُقرئك السلام،ويقول:هذا كتاب ما كنتُ عهدتُ إليك،وشرطت عليك،(الله تعالى قد عهد هذا الكتاب وشرطه على الرسول محمد منذ عالم الذر)وشهدت به عليك،وأشهدت به عليك ملائكتي،وكفى بي يا محمّد شهيداً”. قال:”فارتعدت مفاصل النبيّ(ص)،فقال:يا جبرئيل،ربّي هو السلام،ومنه السلام،وإليه يعود السلام،صدق عز وجل وبرَّ، هات الكتاب،فدفعه إليه،وأمره بدفعه إلى أمير المؤمنين(ع)،فقال له:اقرأه. فقرأه حرفاً حرفاً،فقال:يا علي هذا عهد ربّي تبارك وتعالى إليَّ،شرطه عليَّ وأمانته،وقد بلَّغت ونصحت وأدَّيت.فقال علي(ع): وأنا أشهد لك (بأبي وأُمّي أنت) بالبلاغ والنصيحة والتصديق على ما قلت،ويشهد لك به سمعي وبصـري ولحمي ودمي.فقال جبرئيل(ع):وأنا لكما على ذلك من الشاهدين.فقال رسول الله(ص): يا علي،أخذتَ وصيَّتي،وعرفتَها،وضمنتَ لله ولي الوفاء بما فيها.فقال علي(ع): نعم بأبي أنت وأُمّي،عليَّ ضمانها،وعلى الله عوني وتوفيقي على أدائها.فقال رسول الله(ص):يا علي إنّي أُريد أن أشهد عليك بموافاتي بها يوم القيامة. فقال علي(ع): نعم،أشهد.فقال النبيّ(ص): إنَّ جبرئيل وميكائيل فيما بيني وبينك الآن،وهما حاضران،معهما الملائكة المقرَّبون لأُشهدهم عليك. فقال:نعم ليشهدوا وأنا ـ بأبي أنت وأُمّي ـ أُشهدهم. فأشهدهم رسول الله (ص)،وكان فيما اشترط عليه النبيّ بأمر جبرئيل(ع) فيما أمر الله عز وجل أن قال له: يا علي،تفي بما فيها من موالاة من والى الله ورسوله،والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله،والبراءة منهم،على الصبر منك،(و)على كظم الغيظ،وعلى ذهاب حقّك،وغصب خُمْسك،وانتهاك حرمتك؟ فقال:نعم يا رسول الله.فقال أمير المؤمنين(ع): والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة لقد سمعت جبرئيل(ع) يقول للنبيّ:يا محمّد،عرِّفْه أنَّه يُنتهك الحرمة،وهي حرمة الله وحرمة رسول الله(ص)،وعلى أن تُخضب لحيته من رأسه بدم عبيط.قال أمير المؤمنين(ع): فصعقت حين فهمت الكلمة من الأمين جبرئيل، حتَّى سقطت علىٰ وجهي.وقلت:نعم،قبلتُ ورضيتُ وإن انتُهكت الحرمة،وعُطِّلت السنن،ومُزِّق الكتاب،وهُدِمت الكعبة،وخُضبت لحيتي من رأسي بدم عبيط،صابراً محتسباً أبداً حتَّى أقدم عليك. ثمّ دعا رسول الله(ص) فاطمة والحسن والحسين(ع)،وأعلمهم مثل ما أعلم أمير المؤمنين(ع)،فقالوا مثل قوله،فخُتمت الوصيّة بخواتيم من ذهب لم تمسّه النار،ودُفعت إلى أمير المؤمنين(ع)،فقلت لأبي الحسن(ع): بأبي أنت وأُمّي ألَا تذكر ما كان في الوصيّة؟ فقال(ع):”سنن الله وسنن رسوله”. فقلت: أكان في الوصية توثّبهم وخلافهم على أمير المؤمنين(ع)؟،فقال:نعم.والله شيئاً شيئاً،وحرفاً حرفاً،أمَا سمعت قول الله عز وجل:”إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ”؟ والله لقد قال رسول الله(ص) لأمير المؤمنين وفاطمة(عليهما السلام):”أليس قد فهمتما ما تقدَّمت به إليكما وقبلتماه؟ فقالا: بلى،وصبرنا على ما ساءنا وغاظنا”.وبناءً على مضمون هذه الرواية،يكون المقصود بالكتاب والعهد اللذين ذكرهما الإمام أمير المؤمنين (ع) هو السكوت والمسالمة ما سلمت أمور الإسلام والرسالة المحمدية،فلولا موقفه (ع) الصابر المحتسب لـما بقي للإسلام والمسلمين باقية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.