السخرية.. أسبابها وآثارها وفقاً للطرح الإسلامي

خهخحد

هل هناك مقياس تفاضل بين البشر؟،وإذا كان هناك مقياس ما هذا المقياس؟،ومن الذي يضعه؟،هل يمتلك الإنسان المؤهلات والخبرة لمثل هذه المهمة؟.
للإجابة على هذه التساؤلات نقول إن إلقاء نظرة فاحصة على ما يعج به العالم اليوم من تصارع،ورؤى مختلفة تتفق أحياناً،وتتضارب أحياناً أخرى يقودنا إلى عدة طروحات من أهمها التالي :
الفرضية الجاهلية
والتي تبني تقييمها للتمايز بين البشر على عامل القوة،والحسب والنسب أو الدم،إذ القبيلة الشامخة،وصاحبة المكانة المرموقة تجد لها الصدى الواسع،والسمع والطاعة من كل من حولها،وبالتالي يجري على كل من ينتمي لها. وبالعكس منها القبيلة الصغيرة ذات القدرات والإمكانيات المحدودة فهي مصب نقمة كل معتد وغاشم،وهذه الفرضية لا تختص بقوم دون آخرين فأنت تراها في العرب أيام الجاهلية،وتراها اجتاحت أوربا،وأمريكا بوساطة آيديولوجيات مثل النازية والفاشية والتمييز العنصري،وفي أمريكا الحرب ضد الهنود التي أسفرت عن إبادة أكثر من 70 هندياً،ناهيك عن التمييز العنصري ضد السود.كذلك الرأسمالية اليوم وهي من إفرازات الاحتكاك بالحضارة الغربية المعاصرة،والتي تبني أسسها على مقدار الربح و الخسارة،ومن هنا تجد التفاوت الكبير بين طبقات المجتمع بين الثراء الفاحش والفقر المدقع.
وهذه الفرضية العنصرية التي تقوم بالتمييز بين الناس على أساس: لون البشرة،أو الأصل والعرق ،أو المال والجاه بغض النظر عن عمل المرء بين الخير والشر كلها تختلف اختلافاً جذرياً مع الفطرة الإنسانية الحسنة التي فطر الله الناس عليها ناهيك عن تصادمها بالقيم الأخلاقية والإنسانية التي اتفق عليها البشر.لذا فهي لابد تصطدم بتعاليم الدين الإسلامي وتكون بالضد منها.
الطرح الإسلامي
وأخيراً نأتي إلى الطرح الإسلامي الذي نقض جميع تلك الفرضيات واستبدلها بأساس واحد للتفاضل هو التقوى يقول تعالى:”إن أكرمكم عند الله أتقاكم” سورة الحجرات:الآية 13،ليشيد مدرسة جديدة للتفاضل من صنع الله سبحانه وتعالى.
وقد جعل الله لهذا الإنسان المؤمن هالة من القدسية تصونه من الذل والمهانة،وتقلده لباس العزة والكرامة،كما منحه وسام الحب الإلهي الذي لم يَحظَ برتبته حتى الملائكة المقربون،إذ يقول تعالى في الحديث القدسي:”وعزتي وجلالي ما خلقت من خلقي خلقاً احب إلي من عبدي المؤمن”وفي حديث آخر “لمؤمن أكرم على الله من ملائكته المقربين”.وفي الحديث عن الإمام الباقر (عليه السلام):”إن الله أعطى المؤمن ثلاث خصال: العز في الدنيا والدين،والفلاح في الآخرة،والمهابة في صدور العالمين” وعن الإمام الصادق (عليه السلام):”لمؤمن أعظم حرمة من الكعبة” فهذا هو الإنسان المؤمن وهذه هي مكانته عند الله لا يضاهيها شيء من الخلق مهما بلغ من درجة.
وبهذا يتجلى رفض الإسلام الصريح لأي نوع من أنواع التعاطي بكرامة و مكانة المؤمن،وإن الحط من قدره هو بمثابة التحدي والعناد لله سبحانه الذي كرمه،وفضله على جميع خلقه،والتي من أبرزها السخرية بالمؤمنين فقال تعالى:”يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنَّ خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون”،سورة الحجرات:الآية 11.
ما السخرية وما أسبابها؟
السخرية: هي محاولة التقليل من مكانة الآخرين قولاً أو فعلاً.وهي حالة مرضية تكون عبر التصرف غير اللائق بالقول أو بالفعل أمام الإنسان المؤمن،أو خلفه بقصد تحقيره والاستهزاء به،وإضحاك الناس عليه.ولا يوجد سبب واحد للسخرية،ولكن الواضح أنها لا تنبع من فراغ وإنما هي الإفصاح عن عقدة الحقارة والنقص الكامنة لدى البعض،ومحاولة تغليفها والتستر عليها باستنقاص الآخرين والحط من مكانتهم،وقد تأتي السخرية من الحسد فكما ورد في الحديث أنه “كل ذي نعمة محسود” وحيث أن الحاسد لا يستطيع أن يزيل نعمة المؤمن فيلجأ إلى السخرية منه ومحاربته،وقد تكون السخرية ناتجة عن البيئة الفاسدة التي ينشأ فيها الإنسان فتغذيه على احتقار الآخرين، واستنقاص حقوقهم لا لشيء إلا لإشباع الروح المريضة القابعة في نفسه.
أنواع السخرية بالمؤمنين
ـ السخرية باللقب
قد يقترن إسم شخص باسم مضحك،أو صفة غريبة نتيجة لحادث،أو لموقف معين فيتحول ذلك الاسم إلى لقب له رغم تسببه لحرج شديد لشخصيته وهو ما عبر عنه القرآن الكريم:”ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون”. فإن التلفظ بالألقاب بقصد الإساءة للآخرين،وجعلهم مثاراً للسخرية والضحك من أسوأ العادات التي أبتلي بها المجتمع الإسلامي.
ـ السخرية بالفقر
من السنن الإلهية في الخلق أن أعطى الله البعض نعمة وحرِم البعض الآخر منها،وجعلهم على مستويات متباينة ودرجات متفاوتة؛ليمحص إيمانهم ويبتلي صبرهم وحمدهم،وجعل من مظاهر هذا التفاوت الغنى والفقر،ولم يجعل ذلك مقياساً لتقوى المرء وإيمانه. فكم من فقير هو في قمة الإيمان والزهد،وكم من غني هو في قمة الانحطاط والرذيلة؛لذا رفض الإسلام أن نجعل الفقر مثارا للسخرية بالمؤمنين بسبب سوء الملبس،أو المسكن أو المأكل،وشدد بالوعيد على من يفعل ذلك. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):”من أستذل مؤمناً،أو مؤمنة،أو حقره: لفقره،أو قلة ذات يده،شهره الله تعالى يوم القيامة ثم يفضحه” ومما قاله لقمان الحكيم لأبنه وهو يعظه :”يا بني لا تحقرن أحداً بخلقان ثيابه،فإن ربك وربه واحد”.
ـ السخرية بالخلقة
لما خلق الله الخلق جعل بينهم فوارق،وتمايز لحكمة لديه،فتجد هناك الأسود والأبيض،والأعرج والصحيح،والمبصر والبصير(الأعمى)،وهناك الهزيل والسمين،والطويل والقصير وغيرها من الصفات التي يتفاوت البشر بها إلا أنها لا تفصح عن مكنونات النفس،وخفايا القلب. ومن جعل ذلك النقص ذريعة لاستنقاص المؤمنين أو المسلمين والسخرية منهم فهو بعيد كل البعد عن رابطة الإسلام،وغير مدرك لحقيقته،وفي التاريخ الإسلامي عبرة بالغة بذلك وهذه بعض النماذج:
يقال رأى بعض الصحابة ساق عبد الله بن مسعود فضحكوا عليها. فبلغ ذلك رسول الله(ص):” فقال: أتهزؤون منه إنها في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل اُحد”.
ويذكر إبن المبارك إن المطر إنقطع عن أهل المدينة فكان الناس،يخرجون للاستسقاء،فلا يسقون،يقول:فخرجت يوماً فإذا بعبد أسود نحيف بجواري رفع يده إلى السماء،وأقسم على رب العزة أن ينزل المطر فما استتم دعاءه حتى سقط المطر من لحظته،فتتبعته فرأيته يدخل سوق النخاسة،فاشتريته فلما كنا في الطريق سألته عما بلغه من تلك المنزلة،فارتعب وقال: ائذن لي أن أصلي ركعتين فصلى ثم رفع يده وقال:اللهم إن السر الذي بيني وبينك قد إنكشف فأقبض إليك روحي.فمات من ساعته.
نتائج السخرية
إن النتائج التي يخلفها هذا العمل كثيرة، ووخيمة لا يعلم مداها إلا الله سبحانه ، ولكن نذكر أهمها على سبيل المثال لا الحصر:
ـ غياب التقدير:
إن من أبرز مظاهر السخرية والاستهزاء بين الناس،هو تفشي غياب التقدير وسيادة التعالي،والطبقية حيث يصبح المجتمع تقوده الأنانية والأهواء،وهي مقدمة الانحدار نحو الهاوية والتفكك الاجتماعي.
ـ تفجير الأحقاد:
طبيعة النفس التي جبلت على العزة والكرمة،لا تميل إلى من ينال منها،ويحتقرها،بل العكس فإن السخرية تهيج الضغينة والكراهية،وتدفع المجتمع نحو هوة سحيقة من التصارع والأحقاد،وهي صفة يمقتها الإسلام.
ـ مفارقة الإيمان:
وهو ما نستشفه من خلال الأحاديث المتواترة عن الرسول الأكرم (ص)،والأئمة الأطهار(ع)في هذا الشأن وهذا قبس منها:
جاء في الحديث عن رسول الله(ص):”إن المستهزئين يفتح لأحدهم باب الجنة،فيقال:هلم فيجيء بكربه،وغمه فإذا جاء أغلق دونه”.وعنه (ص):”لا تحقرن أحداً من المسلمين فإن صغيرهم عند الله كبير”.
وعنه أيضاً :”حسب ابن آدم من الشر أن يحقر أخاه المسلم”. وعن الإمام الصادق(عليه السلام):”من حقر مؤمناً مسكيناً لم يزل الله له حاقراً ماقتاً حتى يرجع عن محقرته إياه”. وفي الحديث القدسي:”ليأذن بحرب مني من أذل عبدي المؤمن”.
ـ الإنشغال بالتوافه:
ولعلها من الصفات الجلية من خلال السيرة الاجتماعية،فالبيئة التي تسود فيها السخرية هي بيئة فارغة المحتوى لا تحمل هدفاً ولا قضية،بل هي أبعد ما تكون عن الواقع والهموم التي يعيشها المسلمون من حولها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.