حقائق تاريخية الوالي عبد الرحمن باشا وحظوة اليهود لدى الباب العالي

 

من ولاة بغداد الذين سمع بهم محمود صبحي الدفتري وحدثنا عنهم : عبد الرحمن باشا بن الحاج علي باشا الذي تقلد الولاية مرتين سنة 1875- 1877 و 1879 – 1881 ، وكان صدراً اعظم على عهد السلطان عبد الحميد الثاني . كان عبد الرحمن باشا معروفاً بالحرص على التقاليد الرسمية (البروتوكول)، حتى انه كان يدعو ابنه حين يتحدث عنه : عارف حكمت باشا حضرتلري ، ولا يقول : ولدي عارف ! . وكان ابنه هذا قد تقلد وزارة العدلية العثمانية واقترن بالاميرة نائلة ابنة السلطان عبد الحميد سنة 1905 .
وكان ممتاز الدفتري ( خال محمود صبحي ) قد اتم دراسته الاعدادية في استانبول وعين مدير ناحية في ولاية ادرنة ، وكان واليها انذاك عبد الرحمن باشا والي بغداد سابقاً وذهب مدير الناحية ليسلم على الوالي ، فسأله عن اسمه ، فقال : ممتاز البغدادي . ولما سمع الباشا بإسم بغداد ، أهاجته الذكريات اليها ، فادنى الشاب منه وقال له :
ـ انت من بغداد ؟ ومن أي محلاتها ؟
ـ من محلة الحيدر خانة ، يا سيدي الباشا .
ـ وهل داركم قريبة من دار ابراهيم افندي (الدفتري ) رئيس البلدية ؟ .
ـ ان ابراهيم افندي جدي ، يا سيدي الباشا ، ولما علم الوالي بذلك ربت على كتف ممتاز افندي واجلسه الى جانبه ولاطفه ، وقال للحاضرين : ان هذا الشاب حفيد صديقي ابراهيم افندي رئيس بلدية بغداد . وانا لا اذكر بغداد الا ذكرت ابراهيم افندي ، ولا اسمع اسم ابراهيم ، اياً كان ، الا ذكرت بغداد! .
السيد سلمان الكيلاني نقيب الاشراف عاد من استانبول سنة 1887 بعد رحلة نال فيها رعاية السلطان عبد الحميد الثاني وألطافه وحصل على اوسمة رفيعة لنفسه وابناء اسرته . فأصبحت له مكانة مرموقة لدى الوالي والموظفين الاتراك فضلاً عن مقامه لدى الاهلين . وقدم بغداد انذاك والٍ جديد قوي الشكيمة ، معتد بنفسه هو المشير مصطفى عاصم باشا . وسرعان ما حدث خلاف بين الوالي والنقيب ، وتدخل الوالي في شؤون الاوقاف القادرية واراد الوقيعة بالسيد سلمان وتقليص نفوذه ، فقام هذا بالتشنيع عليه وشكايته الى الباب العالي في استانبول .
وحل شهر رمضان ، وكان مجلس ادارة الولاية يجتمع في اثنائه ليلاً في السراي المطل على نهر دجلة . وكان اعضاء المجلس يتواردون على السراي بعد الافطار ، منهم في عرباتهم التي تجرها الخيل ، ومنهم على اقدامهم يتقدمهم خادم يحمل مصباحاً لينير الازقة المظلمة . وكان ابناء الاشراف والموظفون يأتون الى السراي في ليالي اجتماع المجلس ، فيجلسون على نهر دجلة يتسامرون ويحتسون القهوة ويتسقطون الاخبار الرسمية وشؤون الولاية . والتأم المجلس ذات مساء ، وجاء مصطفى عاصم باشا يتميز غيظاً بعد ان سمع بشكاية النقيب عليه ، ودخل وعيناه تقدحان شرراً وقال : أين النقيب؟ ، لاهيننه الليلة واعرفه منزلته واضعه في موضعه فلا يتطاول بعد هذا على مقام الولاية.
وكان السيد سلمان ، وهو من اعضاء المجلس . قد تأخر في المجيء . فخرج اسماعيل الدفتري ( جد محمود صبحي ) من قاعة الجلسة ونادى ابنه فؤاد ، وكان حاضراً في السراي ، وافهمه الموقف وقال له : اذا جاء السيد سلمان فكلمه متلطفاً وحلْ دون دخوله الى القاعة . وأوصاه ان لايخبره بما دار في المجلس لانه رجل جريء مقدام ولا يتورع عن مجابهة الوالي وتحديه علناً ، وتكون انذاك الطامة الكبرى .
وقف فؤاد الدفتري في باب السراي . ولم تمض دقائق حتى قدمت عربة النقيب . فترجل بأبهة ووقار ، واسرع فؤاد فحياه بإحترام فائق وأخذ بيده وقال له : سيدي النقيب ، الا
تتفضل فتشرفنا هنيهة وتشرب القهوة معنا ؟ . قال النقيب : ولكن المجلس قد اجتمع . فلاطفه فؤاد وقال له : ان الجلسة تنتهي قريباً ولا يليق بك ان تحضر أواخرها . وما زال به حتى مضى الى مقاعد الاشراف والشبان على شاطئ النهر ، ولعله علم ان شيئاً ما قد حدث فالافضل ان لايحضر الاجتماع .واستمر النزاع بين الوالي والنقيب حتى ابتليت بغداد بوباء الهيضة في ايلول 1889 وتوفي بها حبر اليهود الحاخام عبدالله ابراهيم سوميخ ، فدفن في مرقد يوشع الكاهن الاكبر بجانب الكرخ . وأمر الوالي باخراج جثته واعادة دفنها خارج السور ، فهاج اليهود وشكوا الامر الى السلطان .
وتفاقمت القضية ، فاستدعى الصدر الاعظم الوالي على آلة البرق وكلمه بحضور السلطان يسأله عن الموضوع فتكلم مصطفى عاصم باشا بحدة . قال له الصدر الاعظم : ان مولانا امير المؤمنين حاضر يستمع الى افادتك ، فقال الوالي : انا خادم مولانا السلطان والثم قدميه . لكنه لم يخفف من غلوائه ، فأمر السلطان بنقله من ولاية بغداد فوراً الى ولاية أطنة ، وهي من ولايات الصنف الثالث.
غادر المشير مصطفى عاصم باشا بغداد بعد ايام قاصداً الأناضول عن طريق عنة وحديثة وحلب. ورق له قلب السلطان فأمر بنقله والياً للشام بدلاً من اطنة ، والشام مثل بغداد من ولايات الصنف الأول . ووردت البرقية الى بغداد بعد مغادرة مصطفى عاصم اياها ، فاستدعي احد الضباط وكلف باللحاق به وتبليغه الامر السلطاني في الطريق .
امتطى الضابط صهوة جواده وقطع المنازل بلا هوادة ولا راحة ، حتى ادرك الوالي المنقول في حديثة ، فتبلغ بالامر مسرورا وانعم على الضابط بهدايا ثمينة . ومضى الى دمشق مركز ولايته الجديدة .
وقد توفي مصطفى عاصم باشا بعد سنتين ( 1891).

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.