يرويها ضابط غوغائية 14 تموز 1958 رواية جديدة عما حدث من مجزرة في قصر الرحاب

نتكنكم

“لا تفتح التابوت، سيذبح الموت بجناحيه كل من يجرؤ على ازعاجنا”.
هذه العبارة لاحظها عالم الآثار هاورد كارتر في مقبرة توت عنخ آمون، احد فراعنة السلالة المصرية الثامنة عشرة، وهي تحذير خطير للغاية، ولكنها لم تؤخذ على محمل الجد.وان كان للفراعنة لعنة تحل على من يزعجهم، فان للملك فيصل الثاني ألف لعنة تحل على من نال وينال منه. ففي 14 تموز 1958 قامت مجموعة من …. بإعدام جلالة الملك وعائلته ، بعد نجاح انقلابهم الاسود ، وسحل جثث المسؤولين في الشوارع . فكيف حلت لعنة الملك على قاتليه؟
الزعيم عبد الكريم : قتل ورمت جثته في نهر دجلة المشير عبد السلام عارف : احترق في الطائرة هذه الرواية لما حدث في قصر الرحاب وردت في كتاب الدكتور فالح حنظل …
فقد كان فالح حنظل في عام 1958 ملازما في القصر الملكي في بغداد ‘ قصر الرحاب ‘ وقد شهد عملية ابادة وسحل العائلة المالكة في صبيحة الرابع عشر من تموز … وقد وصف فالح حنظل ما حدث انذاك في كتابه ‘ اسرار مقتل العائلة المالكة في العراق
فبعد أن يصف فالح حنظل عملية هجوم الضباط والشعب على القصر والطلب الى الملك وخاله الخروج الى باحة القصر … وبدأت المجزرة يقول فالح حنظل: :
قبل الساعة الثامنة بقليل..فتح باب المطبخ .. وخرج منه الملك وامارات الرعب قد تجمدت على وجهه من هول الموقف… وبدا مرتديا ثوبا ذا كمين قصيرين وبنطالا رمادي اللون, وينتعل حذاءا خفيفا .. وخلفه سار الامير عبدالاله مرتديا ثوبا وبنطالا كذلك, وقد وضع يده اليسرى في جيب بنطاله اما يده اليمنى فكانت ترفع منديلا ابيض.وزاحمت الملكة نفيسة ولدها الامير عبد الاله على درج المطبخ, ووقفت وراء الملك ورفعت القرآن عاليا بيدها فوق رأسه وهي تصر باسنانها على اطراف الشرشف الذي يستر جسمها, وخلفها سارت الاميرة عابدية وهي تنتحب وتولول, ثم الاميرة هيام, ثم احدى خادمات القصر المسماة رازقية, والطباخ التركي وخادم اخر .. واثنان من جنود الحرس تركا بندقيتيهما في المطبخ.
خرج الجميع يتقدمهم المقدم محمد الشيخ لطيف.. والملازم اول ثامر خالد الحمدان.. وكان يقف في نهاية الرتل النقيب ثابت يونس.
وفي الباب كان العقيد طه ما زال يحاول ان يهدئ من سورة هيجان الضباط, وخاصة النقيب مصطفى عبدالله الذي كان يرفع عقيرته بالصراخ. ‘اخرجوا ايها السفلة .. ايها الخونة.. ايها العبيد’, وخرج الجمع كله ليواجه نصف حلقة من الضباط وهم كل من:
النقيب مصطفى عبد الله, النقيب سامي مجيد, النقيب عبد الله الحديثي, النقيب منذر سليم, النقيب حميد السراج, الملازم اول عبد الكريم رفعت, وعدد اخر من الملازمين والمراتب, ويقف خلف هؤلاء الضباط عدد اخر من الضباط والجنود, وقد انتشروا في الحديقة وخلف الاشجار.. والى خلف هؤلاء من اليمين و اليسار كانت الجموع الغفيرة من العساكر والناس تقف متفرجة.
خرج الملك فيصل وسرعان ما رفع يده بالتحية العسكرية للضباط الموجودين امامه .. واغتصب ابتسامة رقيقة تراقصت على شفتيه, وظهرت خلفه جدته وهي تحاول ان تجعل الجمع كله يشاهد القرآن بيدها.. وبعدها سار عبد الاله .. وهو يتمتم ببضع كلمات غير مسموعة … ووجهه يكاد يكون ابيض .. وزوى ما بين حاجبيه, وهو يرى لاول مرة الضباط شاهرين رشاشاتهم بوجهه, وتلفت يمنة ويسرة .. ليتطلع الى بقية العساكر المنتشرين في الحديقة .. ثم لم يلبث ان استدار الى الخلف ليطمئن على زوجته واخته اللتين جفت الدموع في مآقيهما ولم تعودا تعرفان ماذا تقولان او تفعلان .. وارتفع همس الملكة العجوز وهي تحاول ان تردد بعض الآيات من القرآن الكريم.
تقدم النقيب مصطفى عبد الله .. وصرخ فيهم ان يجتازوا ممرا من الشجيرات ينتهي الى باحة خضراء صغيرة… جنب شجرة توت ضخمة وسط الحديقة, وقد تعلق بها نسناس صغير مربوط من رقبته بسلسلة معدنية … فاجتاز الجمع الممر .. ووقفوا بشكل نسق يتطلعون الى افواه رشاشات الضباط الموجهة نحوهم.
في هذه الأثناء كان النقيب عبد الستار سبع العبوسي داخل قصر الرحاب .. فترك القصر ونزل هابطا الدرجات الامامية ورشاشته بيده.. واستدار الى اليمين فشاهد الاسرة المالكة كلها تسير في صف تاركة باب المطبخ.. وبعد اقل من نصف دقيقة كان النقيب العبوسي يقف خلف العائلة المالكة تماما, ويفصله عنهم خط شجيرات صغيرة على الأرض.
بلمح البصر فتح نيران رشاشته من الخلف مستديرا من اليمين الى اليسار .. فاصابت اطلاقات غدارته الثماني والعشرون طلقة ظهر الامير عبد الاله.. ورأس ورقبة الملك وظهري الملكة والاميرة عابدية.. ثم لم يلبث ان فتح مصطفى عبد الله نيرانه من الامام على البشر الموجودين امامه, وفتح بقية الضباط المشكلين نصف حلقة نيران رشاشاتهم, وجاءت النيران من الامام ومن الخلف ومن الجانب.. من كل يد تحمل سلاحا في تلك اللحظة…!!
اصيب الملك بعدة طلقات فتحت جمجمته وسقط في احضان الاميرة هيام التي تهاوت ارضا, وقد اصيبت في فخذها, وسقط عبد الاله قتيلا وانصبت عليه نيران اكثر من فوهة نارية, وهو يتمرغ قتيلا على الارض.. ونالت الاميرة عابدية والملكة نفيسة حظهما من رصاص المهاجمين .. فتمرغتا بالارض وهما تلفظان انفاسهما الاخيرة.. واصيب جندي الحرس محمد فقي بعدة طلقات نارية صرعته فورا.. وجرحت الخادمة رازقية … وقتل الطباخ التركي, وقتل احد الخدم في نفس البقعة أيضا.أصيب النقيب ثابت يونس بطلقة نارية اخترقت رئته اليمنى ونفذت, فهرب الى جهة اليمين ومعه ضابطا صف من الانضباط الخاص, وسرعان ما واجهتهم اعداد المسلحين المختفين وراء القصر واجبروهم على التسليم.. اما المقدم محمد الشيخ لطيف فقد قفز جانبا حائدا عن مهمر الرصاص, واستطاع الملازم اول ثامر الحمدان ان يلقي بنفسه بين الشجيرات, ويزحف ارضا الى ضفاف نهر الخر ويندس هناك بين جموع المهاجمين ويختفي دون ان يعرفه احد.اثأر منظر الدماء واصوات الطلقات النارية جنون ضابط المدرعة, ففتح نيران رشاشته الثقيلة على الاجسام الملقاة ارضا.. فحرثها حرثا وحاول الطفل جعفر اليتيم الذي كانت تربيه الاميرة عابدية ان يهرب الى زاوية من زوايا القصر, الا انه سرعان ما عاجله الجنود برصاص بنادقهم فاردوه قتيلا.
على اثر هذا الرصاص المتناثر يمنة ويسرة اصيب النقيب مصطفى عبدالله بطلقة نارية بصدره, وسقط ارضا والدم ينزف من جرحه, وتهاوى بين الشجيرات النقيب حميد السراج, وقد اصابته طلقة نارية في كعب قدمه.. وسقط ضابط صف برتية رئيس عرفاء قتيلا من المهاجمين, اما الاميرة هيام فقد تمكنت من الزحف الى ركن امين وتقدم منها ضابط وحملها بيده حيث اخفاها في غرفة حرس الباب النظامي, والدماء تسيل من فخذها.
ثم كفت الاطلاقات النارية.. وكانت الجثث الميتة ملقاة ارضا.
وتصايح الضباط, كل يريد ان يعطي فكرة او طريقة للتخلص من الجثث, وسرعان ما جلبت سيارات نقل على اثرها الضابطان الجريحان من المهاجمين الى المستشفى.
فجأة سمع المتجمهرون اطلاقة نارية تاتي من الخلف من بين الاشجار العالية المحيطة بالقصر.. لاتمام عملية التطهير, ولعلع من جديد رصاص الرشاشات شاقا السكون الذي ساد المكان اثر عملية القتل.. كأنما هو صرخات الموت الختامية وحشرجته في قصر الرحاب.جلبت سيارة من نوع بيك اب (فان) تابعة للقصر كانت تستعمل للمشتريات اليومية, ورفعوا جثة الملك.. وانزلوها في السيارة.. ووضعت الجثة على جنبها الايمن مما جعل اليد اليسرى تتدلى خارج الباب.. ثم سحبت الجثة من يدها الى الداخل.حملت جثث النساء.. فجثة عبد الاله.. وبقية القتلى.. والى هنا كانت جماهير الناس في الشارع قد دخلت حدائق القصر وانتشرت فيها.. وشاهد بعضهم الجثث, وهي تنقل الى السيارة (الفان) , وتحركت السيارة نحو الطريق الخاص للقصر.. وهجم شاب ضخم الجثة يحمل بيده خنجرا, وانهال بطعنتين على جثة عبد الاله.
وجيء بسيارة ثانية نقلت النقيب ثابت يونس المرافق العسكري الذي بدت عليه علامات الضعف والوهن الى المستشفى العسكري.. حيث لفظ انفاسه الاخيرة هناك.أما الأميرة هيام والخادمة رازقية فقد نقلتا الى المستشفى الحكومي الملكي حيث اعطيتا العلاج اللازم وتم انقاذ حياتهما.وعندما خرجت السيارة التي كانت تقل القتلى.. وقفت باب ثكنة الرحاب حيث اعيد رفع جثتي الامير والملك, ووضعتا في سيارة جيب عسكرية ركب معها ضابطان.
أما سيارة البيك اب فقد توجهت بسرعة الى دائرة الطب العدلي في المستشفى المدني حيث ووريت جثث النساء في حفرة مقبرة قريبة.كانت السيارة التي تقل جثتي الملك والامير.. تحاول ان تسير مسرعة وسط الزحام الشديد في الشارع, وحاول الضباط الا يعرف احد بان سيارتهم تقل جثتين, الا انه سرعان ما فطنت الحشود الهائلة التي راحت تركض وراء السيارة, وقد شهرت المسدسات والخناجر والهراوات, وكانت اعداد من الجنود قد وقفت على جوانب الطريق المكتظ, وهم يطلقون نيران بنادقهم ابتهاجا.
في قصر الرحاب.. هجمت جموع المدنيين الى داخل القصر المحترق.. وباشرت عمليات السلب والنهب في سباق مع اللهيب والنيران الاكلة.. واستمرت عمليات النهب يومين متتاليين على مرأى ومسمع من الضباط الذين كانوا في الحراسة هناك.
في المستشفى نقلت الجثة الى احدى غرف العمليات… وسجي الجثمان على احدى طاولات العمليات..حيث قدم عدد من الضباط الاطباء وغيرهم.. ليلقوا نظرة على وجه فيصل, وفتح احد الاطباء جفني العين التي بدت جامدة لا حياة فيها… وسأله ضابطان برتبة نقيب وصلا لتوهما من وزارة الدفاع.. عما اذا كان الملك حيا ..ام ميتا…فاجابهم انهم ميت.
لم تستطع الممرضات الموجودات في الغرفة ان يغالبن دموعهن وهن يتطلعن الى وجه فيصل .. وقد خضبت الدماء محياه وشعر رأسه وتركن الغرفة الى الخارج وهن ينشجن.
في مساء اليوم نفسه حفرت حفرة قريبة من المستشفى في معسكر الرشيد.. وانزلت فيها الجثة واهيل عليها التراب.. ووضعت بعض العلامات الفارقة معها لتدل على مكانها فيما بعد.. واستمر التراب يغطي الجثة.. حتى تساوى مع الارض ودك بالاقدام.. ولم تعد ثمة علامة في الارض تدل على مكانها ولا يعرفها الا الضباط الذين دفنوا ورفعوا بها تقريرا رسميا الى المسؤولين في وزارة الدفاع.
أما جثة الأمير عبد الاله.. فسرعان ما انقضت الايادي على ملابسه وخلعتها.. حتى عري الجسد الذي بدا اصفر مائلا للبياض من كثرة ما نزف من دماء.

تصايحت الجماهير.. اجلبوا الحبال.. وبسرعة جلبت الحبال من الاكواخ المجاورة واللوريات الواقفة وربطت الجثة بحبلين واحد من الرقبة.. ومرر الاخر من تحت الابطين.. وامسك بطرفي الحبل بعض الشبان وباشروا المسير.. والجثة العارية تسحل من ورائهم على الأرض… وكلما تقدم موكب القتيل المسحول من قلب مدينة بغداد صادفتهم الجماهير الهائجة القادمة لتلقي نظرة او ضربة او طعنة في الميت…على مسافة أربعة أمتار من الجهة المسحولة.. كان يسير موكب غوغاء بغداد.. واوباشها, واغلقت النساء الشبابيك, وهن يبعدن اطفالهن عن التطلع على هذا المنظر الذي تجمد له الاطراف لهول بشاعته.أخيرا وصل الموكب امام البوابة الخارجية لمبنى وزارة الدفاع, حيث وقف حشد كبير من الضباط والمراتب من مختلف وحدات بغداد لتقديم التهنئة والتأييد للثورة وللعقيد عبد اللطيف الدراجي الذي احتل وزارة الدفاع.لم يتحرك أي من الضباط او الجنود من اماكنهم للتطلع على ذلك المنظر المقزز للميت المقطع الاوصال, بل لبثوا في اماكنهم, وقد ارتفعت ابصارهم وهم يحاولون النظر من بعيد.ضلت الجثة الممزقة امام وزارة الدفاع حيث يوجد قبالتها مقهى كبير, والى جانب المقهى يقوم بناء قديم من طابقين.. وصعد احدهم متسلقا العمود الكهربائي المجاور للبناء, وعلق حبلا في شرفة الطابق الاول حيث وقفت في تلك الشرفة بعض النسوة والاطفال يتفرجن على الشارع, وادليت الحبال وربطت بها حبال الجثة .. وتصايح الواقفون…. ارفعوها..وبعد لحظات كانت الجثة ترتفع ثانية معلقة في الهواء وقد اندلقت امعاؤها, وتسلق عمود النور شابا يحمل سكينا بيده, وطعن الجثة بالظهر عدة طعنات.. ثم اعمل سكينة في الدبر وراح يقطع اللحم صاعدا الى فوق باتجاه الرأس, ومن الشارع جلبت عصا طويلة بيضاء, ادخلت في الجثة ودفعت بها دفعا, والضباط والمراتب ينظرون اليها دون ان يتحركوا من اماكنهم, رغم ان علامات امتعاض من هذه المناظر الوحشية كانت ترتسم على وجوههم جميعا. كانت خاتمة المطاف لجثة الامير عبد الاله ان تناوب عليها الغوغاء والاوباش.. وطافت اجزاؤها معظم شوارع بغداد.. اما ما تبقى منها الى مساء ذلك اليوم… فقد صبت عليها صفائح البترول, ثم حملت البقايا المحترقة .. والقيت في نهر دجلة .. كما ابتلع نهر دجلة الاطراف التي كانت مبعثرة هنا وهناك في مساء وليل ذلك اليوم أيضا.
في صباح اليوم التالي.. كان قصر الرحاب ما يزال ينبعث من شرفاته ونوافذه دخان الحريق, وكانت عمليات نهب ما يحتوي تجري على قدم وساق…. تخرج منه اعداد كبيرة من الجنود والاهالي, وهم يحملون ما استطاعوا جمعه من متاع واثاث.
أن ما حصل لا يبتعد كثيرا عن مؤامرة لعبت فيها بريطانيا العظمى أوسخ دورفيها, في مساعدتها أو في سكونها عن هكذا مؤامرة, ولابد سيأتي اليوم الذي تنكشف به كل الأمور السرية المحيطة بهذا الموضوع والذي بدأ به مسلسل تدمير وانحطاط العراق.• [[ كان الملك يثق ثقة مطلقة بالضباط، ولم يكن يشك بأي منهم ولم يكن يعتقد أن أحدا منهم سيناله بسوء. وأذكر هنا على سبيل المثال:
أن الملك حسين ملك الأردن طلب من الأسرة المالكة قبل ثورة تموز إرسال شخص معتمد لنقل معلومات مهمة حصل عليها بشأن تحركات الجيش، وقد ذكر جلالة الملك حسين في مذكراته.
وفعلا ذهب رفيق عارف وجاء بالمعلومات، وقد كذب رفيق تلك المعلومات مما جعل الملك فيصل والأمير عبد الإله لا يهتمون بتلك المعلومات.وبعدها بأيام جاء بهجت العطية مدير الأمن العام إلى الديوان، وفي غرفتي قال لي إن هناك تكتلات في الجيش ولدي معلومات تفصيلية سأخبر الملك بها.
وبعد مقابلته للملك والأمير استدعى الملك رئيس أركان الجيش وأبلغه بما جاء به بهجت العطية من أنباء فأجاب بأن:
(هذه المعلومات مغلوطة وأن هذا العمل هو تجسس على الجيش من بهجت العطية (ارفضه رفضا قاطعا).
وبعد خروجه من حضرة الملك جاء عندي فقلت له:
أسمع عن وجود حركة في الجيش يخشى من عواقبها.
أجابني بالعامية:
“لا تدير بال، ترهات” وأتبعها بقهقهة.”

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.