هل ان العراق بحاجة الى طنطل ؟!

في بيأتنا الجنوبية، قريبا من القصب وعلى حافات الهور، حيث كنا نعيش، كانت تعيش معنا كائنات إخترعتها مخيلتنا، ثم ما لبث المخيال الشعبي أن تعايش معها، حتى حولها الى حقيقة واقعة.
كانت في حياتنا أشياء كثيرة نخاف منها، ولقد كانت حياتنا مستقيمة جدا، بالخوف من أشياء كثيرة، من “الطناطل” و”الكَرطة” والغرباء والأجانب.
“الطنطل” كان أشدها إرعابا للكبار والصغار، يظهر في العتمة، بين الغروب ومنتصف الليل، والى غاية اليوم تجد في كبار السن، من يقسم لك بألف قسم، أنه قد عايش في ليلة من ليالي عمره، تجربة قاسية جدا مع “طنطل”..
كان “الطنطل” يمتلك قابلية التحول من شكل الى آخر، مرة بساقين طويلتين، ومرة يتحول الى قنفذ، وتارة الى كائن هلامي.. لكنه في نهاية المطاف، يسيطر على من يستهدفه، سيطرة تامة الى حد الإستعباد..لكن هذه العلاقة تهدأ وتصبح طبيعية، عندما يجلب المُستهدف الخبز “الماصخ” للطنطل!..الخبز “الماصخ” أي خبز بدون ملح..!
“الطنطل” يأكل خبزا بلا ملح، ما يتصوره بعضنا، من أنه ليس ملزما بالوفاء، لمن يتناول الخبز من يده، لكن بعض كبار السن، يقولون أن “الطناطل” كائنات وفية، حتى لو أكلت خبزا بلا ملح، لأنها مالحة أصلا!
“الطنطل”، هذا الكائن المالح، صريح جدا، صادق أبدا، ما في قلبه تسمعه من لسانه، بلا رتوش أو تزويق لفظي، لا يلف أو يدور، لا يعرف “الشفافية”، لأنه وببساطة شديدة، شفاف كنسمة.
“الطناطل” تلك الكائنات المالحة، وفية حد الإفراط لمن تصبح صديقة لهم، تساعدهم في الحصاد، خصوصا أذا شرعوا بالعمل بعد الغروب، وكان يحمل “كارات” الحطب والزور، بدلا من النسوة، اللاتي كن قد قطعنه من شواطىء النهر، “الكارة” هي ربطة حطب، قطرها يزيد عن متر ونصف، تحملها أمهاتنا على رؤوسهن، فيشفق “طنطل” ما على إحداهن، فيحمل “الكارة” عنها.!..لكن الثمن دائما رغيف خبز “ماصخ”!
قصة الملح في حياتنا، أيضا قصة طويلة وذات مغاز كثيرة، الزاد والملح محور علاقاتنا، فهما يعنيان إلتزاما أخلاقيا كبيرا، وخيانة الزاد والملح، تعني شيئا كبيرا..
كلام قبل السلام: هل نشتري “طنطلا” كبيرا، نخاف منه حتى تستقيم حياتنا؟!!
سلام…..

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.