شعب جائع.. يلعق الفساد جراحه!!

على الرغمِ من حاجته إلى تخصيصاتٍ مالية كبيرة ترهق الموازنة العامة للدولة، يُعَد نظامَ البطاقة التموينية من أهمِ البرامج الحكومية فعاليةً وأكثرها ملامسةً لوجدانِ المواطن العراقي؛ لارتباطِ مخرجاته بما يساهم في تأمينِ لقمة عيشه، والحفاظ على كرامتِه، في ظلِ إخفاق القيادات الإدارية بمهمةِ تنمية عوامل الاستقرار السياسي، الَّذي أفضى إلى المساهمةِ بتعثرِ الحكومات العراقية في عمليةِ التنمية الاجتماعية والاقتصادية طوال أكثر من ثلاثةِ عقود من الزمان.
إنَّ نظامَ المساعدات الغذائية، الَّذي بوشر بتطبيقِه في العراق منذ عام 1991 م، كان من المفترضِ أنْ يكون من نمطِ الإجراءات الإغاثية المرحلية، الَّتِي تلجأ إليها الدولة لمواجهة ظروف مرحلة زمنية محددة، إلا أنَّ خيبةَ جهد الحكومة في تحسينِ المستوى المعاشي، الَّذي يعكس تأمين حياة كريمة للمواطنين بفعلِ فشل سياساتها الاقتصادية والإنمائية في مواجهةِ مشكلة الفقر وإخفاقها بإيجاد منافذ لمشكلةِ البطالة، أفضت إلى تعاملِ الإدارتين التشريعية والتنفيذية بحذرٍ شديد مع برنامجِ البطاقة التموينية، بوصفه ما يزال من أهمِ الملفات الجماهيرية وأكثرها حساسية. إذ أنَّ افتقارَ المواطن العراقي إلى الحدِ الأدنى من أهمِ احتياجاته المادية مثل الطعام والمسكن، بالإضافةِ إلى وسائلِ التعليم والرعاية الصحية والخدمات البلدية، يجعل من غيرِ الممكن المساس بنظامِ البطاقة التموينية، الَّتِي كانت في المدةِ الماضية ضحية بشاعة الفساد المالي والإداري، الَّذي تمادى بالتمددِ في الوسطِ الحكومي ليلعب على أحلامِ الفقراء، ويجهض آمال المعوزين في إمكانيةِ ظهور ما يمكن أنْ يشار إليه ببوادرٍ لتنميةِ مفردات البطاقة التموينية وتطوير آلياتها.
في ظلِ تحديات كبيرة تتجسد بوضعٍ أمني مضطرب أنضجته قوى دولية بدعمٍ من جهاتٍ إقليمية ومساهمة أطراف محلية، زاد من تعقيداتِه خروج بعض مناطق البلاد عن سيطرةِ الدولة المركزية، فضلاً عن أزمةٍ مالية خانقة تنذر بخطورةِ تداعياتها في القادمِ من الأيام، تعلو على سطحِ هذا المشهدِ الساخن أصوات تنحى صوب إلغاء برنامج الحصة التموينية تحت ذرائع شتى، متجاوزة أهميتها في عمليةِ استقرار الأوضاع الاجتماعية بوصفِها صمام الأمان لنسبةٍ كبيرة من العوائلِ العراقية، ولاسِيَّمَا شرائح الفقراء ومحدودي الدخل. وأدهى من ذلك غياب ما ظهر من هذه الدعواتِ إلى البرامجِ البديلة، الَّتِي بمقدورِها تلبية احتياجات المواطن بسبلٍ مؤثرة تمنحه فرصة الشعور بالكرامةِ الإنسانية عبر تأمين المتطلبات القادرة على تأهيلِه ليكون من العناصرِ المنتجة والفعالة في المجتمع.
تأرجح نظام البطاقة التموينية ما بين دعوات بعض المسؤولين إلى إيقافِ العمل به تنفيذاً للضغوطِ الَّتِي ما يزال يمارسها صندوق النقد الدولي على الحكومةِ العراقية بقصدِ إلغائه شرطاً أساسياً لمنحِ قروضه، وما بين خشية الأسر العراقية من تعرضِهم إلى ضغوط حياتية أكثر شدةً في حالِ رفع الدعم الحكومي عن هذا الملفِ الإنساني، لم تكن بمنأى عن الحاجةِ إلى إخضاعِ برنامج المساعدة الغذائية برمته لعمليةِ بحث وتحليل علمي لأجلِ تطوير آلياته بما يخدم المواطن، ويفضي إلى الحدِ مما اكتنفه من عملياتِ الفساد المثيرة، الَّتِي أحدثها وليس آخرها إيقاف وزارة التجارة تجهيز أكثر من ( 19 ) ألف شخص ( غير عراقيين ) مسجلين في البطاقةِ التموينية بمناطقِ إقليم كردستان، لا تنطبق عليهم الضوابط الخاصة بنظامِ البطاقة التموينية المخصصة للعراقيين فقط، كونهم من جنسياتٍ سورية وتركية مقيمين في إقليمِ كردستان!!.
بلد استشرى الفساد الإداري والمالي في أدقِ أروقة دوائر جهازه الوظيفي ومؤسساته، ركنت حكومته إلى سياسةِ استقطاع نسبة من رواتبِ الموظفين والمتقاعدين من شعبِه، الَّذي يعيش غالبيته على حدِ الكفاف، يتكفل بمعيشةِ آلاف الأشخاص الذين يحملون جنسياتٍ غير عراقية عبر شمولهم بنظامِ البطاقة التموينية من دونِ علم إدارة التجارة!!.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.