القــرب والبعــد من السمــاء مسافــة نحـن نحددهــا

علي المؤمن
يمر مجتمعنا العراقي شأنه شأن أي مجتمع مأزوم بحالة من الغفلة واللامبالاة من الناس ومحاولة الهرب أما إلى اللهو واللعب سعياً للنسيان أو إلى الهجرة خارج البلد. ولا أدعي أنني سأقف كاملاً على الأسباب التي أدت لذلك من كل الجوانب ولكنني سأحاول أن أبين كيف أننا ابتعدنا عن السماء فابتعدت السماء عنا،وأصبحنا ندعو فلا يستجاب لنا.فلو وقف رجل في أي شارع من شوارع العاصمة بغداد وحاول أن يمر بناظريه كي يحصي كم عدد النساء والفتيات اللواتي يلتزمن بالحجاب بكل جوانبه الشرعية:»من طول الملابس،وقدرتها على الستر،وكونها فضفاضة غير مبدية للمفاتن،وكون لونها ليس لون شهرة فتكون (لباس شهرة) لوجد نسبة ضئيلة قد لا تتجاوز عدد أصابع اليد،والأمر لا يشمل النساء فحسب فأنت ترى الشباب خاصة والرجال بصورة عامة أيضا أخذوا يلبسون ملابس لا تليق بهم ولا بدينهم بل أنها وصلت حداً أن فيها صلباناً وبعض الرموز الوثنية التي تجدها مطبوعة على الفانيلات «التيشيرتات»التي يرتدونها وهم لا يعلمون.هذا على صعيد الملابس ناهيك عن قصات الشعر الغريبة العجيبة التي نراها اليوم إخترقت مجتمعنا وخاصة فئة الشباب.وقد أشرت لهذين الأمرين لأنه من السهل على من ينظر أن يرصدهما.والسؤال هنا كم من هؤلاء الذين يهتمون بالمظهر يهتمون بالجوهر؟!،وكم منهم يهتم بأن يتعلم ويصبح من ذوي الشهادات الجامعية أو حتى المستوى الأدنى؟،وكم مرة يقرأ القرآن في الشهر ولا نقول في اليوم؟،ستجد أن الكثير من هؤلاء لم يفتح القرآن في حياته إنما قد يكون سمع بعضاً منه من هنا وهنالك،بل أن أغلبهم لم يصلِّ في حياته،وغير هذا مما يحتاج إلى قوائم لتعداده وسرده من عدم اهتمام الناس بصلة الرحم،أو بر الوالدين،هذا على الصعيد الاجتماعي أما على الصعيد المؤسساتي فالفساد المالي والإداري أصبح ايقونتنا المعروفين بها.
وهنا نقول لماذا كل هذه الغربة عن الدين ومن المفروض أننا من نحمله بصفتنا مسلمين بغض النظر عن طوائفنا؟!..والجواب في رأيي يتعلق بشقين لا ثالث لهما ـ كلاهما متعلقان بناـ الأول متعلق بالترك،والثاني متعلق بالتمسك.أما الشق المتعلق بالترك فهو أننا تركنا العمل بما أمرنا به الله جل وعلا ورسوله الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) من تعاليم ديننا(ولا أقصد الكل فلو خليت قلبت) لذا يقول رسول الله(ص):»سيأتي زمان على أمتي لا يبقى من القرآن إلا رسمه،و لا من الاسلام إلا اسمه يسمون به،و هم أبعد الناس منه،مساجدهم عامرة،وهي خراب من الهدى،فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء،منهم خرجت الفتنة،و إليهم تعود»، ويقول (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً:»سيأتي على أمتي زمان تخبث فيه سرائرهم،و تحسن فيه علانيتهم،طمعا في الدنيا،لا يريدون به ما عند الله عزَّ و جل،يكون أمرهم رياءً،لا يخالطه خوف،يعمهم الله منه بعقاب،فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجاب لهم‏».ولعمري فإن هذين الحديثين كفيلان بتوضيح كل ما أردت قوله،فنحن الذين خبثت سرائرنا فعمنا الفساد من كل النواحي يقول تعالى:»ظَهَرَ الْفَسَاد فِي الْبَرّ وَالْبَحْر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس».أما الشق الثاني والمتعلق بالتمسك فهو التمسك بعادات وتقاليد غير المسلمين أي «التقليد الأعمى» دون علم ودراية،وهو بدوره أحد مصاديق الغزو الثقافي أو بالمصطلح الأعم «الحرب الناعمة» ..فأنت ترى كل ما أسلفنا الحديث عنه من ظواهر هي اهتمام بالمظهر دون الجوهر وهذا ما تدعو إليه الحضارة الغربية اليوم من تسييد النزعة الفردية،وتغليب الجانب المادي على الجانب الروحي وبعد أن تمكنت خلال سني الاستعمار (والذي لولا أننا تركنا العمل بالدين لم يتسلط علينا) من ربطنا بالعجلة الرأسمالية وجعلنا بلداناً مستهلكة غير منتجة أو منتجة لبضائع وسلع ليست ذات أهمية كبيرة في السوق العالمية، نجحت وباستعداد منا من جعلنا نتبعها ثقافياً وخُلقياً فأصبحت سلعنا سلعهم،وملابسنا ملابسهم ثم أصبحت أخلاقنا أخلاقهم نقلدهم تقليداً أعمى وأضحت الناس تسير ولا همَّ لها إلا جمع النقود وكيفية استحصال أكبر قدر منها،وبتنا نتبجح بأن أحدنا يتقن اللغة الانكليزية أو يتكلم بها تاركين اللغة العربية وعلومها للإهمال والنسيان صحيح أن»من تعلم لغة قوم أمن شرهم» ولكن ليس على حساب لغته وخاصة إذا كانت لغة القرآن.وفي الختام ما أردت قوله بقصار الجمل هو أننا تركنا ما أوكل لنا ضرورة تعلمه ونشره من علوم الدين وبذلك تركنا الدين شيئاً فشيئاً،وأصبحنا نقلد بلا علم كل ما نراه ونحاول أن نغير من مظهرنا لمجرد التغيير تاركين الجوهر لذلك أصبحنا اليوم أدوات بيد الاستكبار العالمي يحركنا حيث أراد،بل أخذنا نقتتل بيننا تحقيقاً لمشروعه وغاياته المعروفة في تهديم الدين ونصرة كل ما هو شيطاني على كل ما هو رحماني..لقد دخل الغرب لنا من عيوبنا ولم يدخل لنا عنوة فعلينا أن نغير ما بأنفسنا حتى يغير الله تعالى حالنا يقول تعالى:” ..إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ..” فكلما دنونا من السماء دنت السماء منا،وكلما ابتعدنا ابتعدت عنا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.