التربيـة الدينيـة .. ضرورتهـا وأهدافهـا

jkloipo

جاءت كلمة “التربية” في اللغة بمعنى التنمية والتنشئة. وهذا المعنى ورد في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة بلفظ التزكية والتأديب. فكلمتا التزكية والتربية تحملان المعنى ذاته؛لأنّ التزكية مثل التربية؛هي بمعنى التنشئة. فالتزكية من جذر الزكاة؛وهي كما جاء في مفردات القرآن: “أصل الزَّكَاةِ: النّموّ الحاصل عن برَكة الله تعالى،ويعدّ ذلك في الأمور الدّنيويّة والأخرويّة”. والتزكية والتربية من أهمّ أهداف البعثة النبوية الشريفة، كما أخبر بذلك القرآن الكريم في قوله تعالى:”لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ”.
لذا قرن الله تعالى الفلاح بالتزكية في كتابه الكريم،إذ قال:”قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى”. وفي الخلاصة، وردت تعريفاتٌ عديدة للتربية،وكلّها تفيد أنّ التربية عمليةٌ تُوجِد تغييراتٍ في الفرد من خلال الاستفادة من استعداداته وقابليَّاته. والحال أنّه إذا ما أضيف العامل الغائيّ إلى هذه العملية،يمكن القول:”إنّ التربية هي تهيئة الأرضيّة والعوامل؛ لأجل تفتُّح استعدادات الإنسان وإخراجها من القوّة إلى الفعل في الاتّجاه المنشود”.
العناصر الأساس للتديّن
قال الله تعالى:”إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ”، كلمة “الدين” في اللغة يمكن أن تأتي بمعنى: “الإسلام، التوحيد، الطاعة، عبادة الله، الحساب، الانقياد للشريعة”، واصطلاحاً هي مجموع أصول الدين،والأحكام والأوامر التي فرضها الله على الإنسان؛ أي فروع الدين.وبعبارة أخرى يمكن أن نقول: إنّ الدين يبتنى على ثلاثة عناصر أساس هي:
ـ المعرفة: وهي أوّل عنصر مؤثّر في التديّن،وهي العِلْمُ بالأصول والقواعد الضّرورية للدين عن طريق الاستدلال والبرهان العقلي؛أي الاعتقاد العقلي بالأصول الخمسة للدين؛وهي:التوحيد،العدل،النبوة،الإمامة،والمعاد. من قبيل:الاعتقاد بأنّ الله خالقُ العالَم أو أنّه تعالى واحدٌ لا شريك له، وأنّه عادل، وأنّ النبوة والإمامة واجبتان باللطف الإلهي، وأنّ المعاد ثابت بحكم عدل الله وحكمته.
ـ الإيمان: وهو العنصر الثاني في التديّن،وهو الاعتقاد القلبي الجازم بالأصول الدينية المسلّمة.فلا يقال للشّخص الذي لا يمتلك اعتقاداً قلبياً بالله أنّه متديّن. كما أنّ القيم الأخلاقية كافة؛من كرم،وتضحية،وغيرها تعود بجذورها إلى أصلٍ واحدٍ هو الاعتقاد القلبي بهذه الأصول. والإيمان القلبي يستند إلى العلم والمعرفة؛بنحو أنّه كلّما تكاملت المعرفة،يكون الإيمان أقوى وأشدّ.
– العمل: وهو العنصر الثالث في التديّن،وهو العمل بالأحكام الدينية والوظائف الشرعية التي تنجّزت(أي طلب أنجازها) على المكلّف،والتي من خلالها يكشف الفرد المتديّن في مقام العمل عن معتقداته الدينيّة. وهذا العمل يتمتَّع بالقيمة الدينية من وجهة نظر الإسلام؛لأنّه نابع من الاعتقاد العقلي والإيمان القلبي الراسخ بأصول الدين،فعن أمير المؤمنين (عليه السلام):”الإيمان والعمل أخوان توأمان ورفيقان لا يفترقان لا يقبل الله أحدهما إلا بصاحبه”.
أهمّيّة التربية الدينيّة
قلّةٌ من يشكُّ بضرورة التربية الدينية ولزومها؛لأنّه مع قليلٍ من التفكّر يتّضح أنّ سعادة الإنسان رهن لهذه التربية. فالتربية الدينية بإمكانها أن تجعل علاقة المخلوق بالخالق أكثر متانةً واستحكاماً،وأن تسوقه إلى القبول بالمسؤولية والتكاليف الإلهية المُلقاة على عاتقه.
ويكفي أن نعرف أنّ الدافع من بعثة الأنبياء (عليهم السلام) يقوم أساساً على نفس هذا الهدف؛لتتّضح أهمّيّة التربية الدينية. والقرآن الكريم الذي هو كتاب هداية وصناعة الإنسان يتناول صراحةً في جملةٍ من الآيات مسألة التربية الدينية للأبناء، إذ يقول عزّ وجلّ في كتابه العزيز:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ”، وهو عزّ اسمه القائل أيضاً في محكم آياته:”قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى”.
وأكّد أولياء الإسلام أيضاً وأوصوا بنحوٍ عام على أهمّيّة التربية، وبنحوٍ خاصّ على تربية الأبناء. فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:”أدِّبوا أولادكم على ثلاثِ خِصال: حبِّ نبيِّكُم، وحبِّ أهل بيته، وقراءة القرآن”. وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً أنّه قال:”مروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا أبناء سبع سنين،وفرّقوا بينهم في المضاجع إذا كانوا أبناء عشر سنين”.
وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):”من تأدّب بأدب الله أدّاه إلى الفلاح الدائم”.فالمهم إذاً،أن يكون الأدب والتأدّب على ضوء ما يريده الله تعالى ويرضاه.روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً أنّه قال: “الغلام يلعبُ سبع سنين، ويتعلّم الكتاب سبع سنين،ويتعلّم الحلالَ والحرام سبع سنين”.
الهدف من التربية الدينية
يظهر ممّا ذكرناه في تعريف التربية والدين،أنَّ مفهوم “التربية الدينيّة” إنّما يكون قابلاً للتحقُّق في ظلِّ الارتباط بمحاور ثلاثة: معرفة الله، الإيمان به تعالى، والعمل بما ينبغي وترك ما لا ينبغي من أوامر الله ونواهيه.بناءً عليه،يمكن القول:إنّ التربية الدينية هي عمليةٌ تحصل عن طريق تزويد الفرد بالرؤية النظرية،وبالالتزام القلبي والعملي انسجاماً مع الفطرة الإنسانية،وبعيداً عن الجبر والإكراه،وبالتالي الوصول إلى السعادة الدنيوية والأخروية المنشودة التي هي طموح وهدف كلّ إنسان في هذه الحياة.ويمكن أن نضع هدفين أساسين للتربية الدينية:
أولاً: هدف نهائي وغائي
وهو القرب من الحقيقة المطلقة والجامعة لكلِّ الكمالات؛وهو الله سبحانه وتعالى.وليس المقصود من القرب من الحقّ سبحانه وتعالى تقليص الفاصلة الزَّمانية والمكانية بيننا وبينه والعياذ بالله؛لأنَّ الله خالق الزَّمان والمكان ومحيطٌ بالأزمنة والأمكنة كافة،وليس له نسبةٌ زمانية أو مكانية مع أيّ موجودٍ:”هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”، “وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ”،”وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ”. ولا المقصود أيضاً القرب التكويني من الله سبحانه؛لأنّ الله له إحاطةٌ وجوديةٌ بالمخلوقات كافة ومن جملتها الإنسان:”إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ”؛”وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ”.
بل المقصود من القرب خصوص القرب المعنوي والروحي من الله تعالى،من خلال حضوره تعالى الدائم في حياة الإنسان، والتحقّق بالكمالات والصفات الإلهية، في ظلِّ العبادة والعبوديَّة له تعالى وطيّ مدارج الكمال، حيث يصل أهل القرب إلى مقام يجدون أنفسهم عين التعلُّق والارتباط بالله جلَّ وعلا، ولا يرون لأنفسهم ولا لأيّ موجودٍ آخر استقلاليةً في الذّات والصِّفات والأفعال.
ثانياً: هدف مرحلي
بالالتفات إلى أنَّ التربية الدينية تهدف إلى هداية الإنسان على صعيد ارتباطه بالله سبحانه وتعالى، ولكنّ هذا الهدف لا يمكن أن يُتوصّل إليه دفعة واحدة، بل هو بحاجة إلى مقدّمات، وإلى تمهيد الأرضية الصالحة وتهيئتها؛ ليصبح المرء مستعدّاً للوصول إليه. ويمكن أن نشير هنا إلى أربعة أهداف مرحلية ينبغي أن يلحظها المربّي أثناء أدائه لوظائفه التربوية، وأن يعمل على تحقيقها،بوصفها مقدّمات تُمهّد الطريق نحو الهدف السامي،وهي:

الأوّل: على المستوى المعرفي والعملي: معرفةِ الله، الإيمان بالتّعاليم الدِّينية،التقوى وعبادة الله تعالى وشكره.
الثاني: على مستوى الإستعدادت والقابليات:تنمية قوّة العقل والفكر، معرفة النفس، تنمية روح طلب الحقيقة والفضيلة والميل لاكتساب الفضائل الأخلاقية.
الثالث: على مستوى الإرتباط العملي بالقادة المعصومين (عليهم السلام).
الرابع: على مستوى ارتباط الإنسان بمحيطه: من خلال التعرّف على الطبيعة والاستفادة منها بشكلٍ صحيح. ومن خلال احترام الوالدين، احترام الناس والحفاظ على حرمتهم، تنمية الروح الجماعية،الأُخوّة،التعاون والتعاضد،الأمانة،الوفاء بالعهود والعقود،الصداقة،الإحساس مع الآخرين والتألّم لأجلهم،الإيثار والتضحية وأمثال ذلك.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.