شعوري بأني مجرمة .. وقاتلة !

ااتت

المراقب العراقي / خاص

كنت في أحد المؤتمرات العلمية عندما تعرّفت عليها .. وجدتها مكتئبة.. حزينة شاردة.. دامعة العينين.. شاحبة الوجه.. أخذني الفضول لمعرفة سرّ حالتها تلك.. اقتربت منها بهدوء شديد.. لأتفرس جمالاً يخفي وراءه كل هذه المعاناة والعذاب.. عرّفتها بنفسي.. لم تنبس ببنت شفة.. لأتفرسها أكثر لاحظتها مضطربة.. الوجل يمنعها من الكلام والأخذ والعطاء مع من حولها.. إضافة إلى الخوف الذي رأيته في عينيها الجميلتين.. إذاً فالأمر أكبر من مجرد معاناة.. لابدّ من أمر نفسي خطير تخفيه تلك الفتاة.. وجدت أن المكان والوقت ليسا مُناسبين للتحدث معها.. فأعطيتها رقم هاتفي مع ورقة صغيرة كتبت في سطورها متى أردت التحدث والفضفضة في أي وقت تشائين وفي أي مكان تريدين.. فأنا في خدمتك.. ذيلتها باسمي ومكاني في الصحيفة لبثّ الاطمئنان إلى قلبها والراحة إلى نفسها.. تركتها وانصرفت وأنا على ثقة تامة بأنها سوف تتصل بحكم خبرتي في نوعية الناس وتعاملي معهم.. ومع كل حالة .وبعد انقضاء أربعة أيام جاءني اتصال منها.. وعرّفتني بنفسها.. وبأنها تلك الفتاة.. قاطعتها قائلا .. عرفتك.. بماذا أساعدك.. فبكت بحرقة.. هدأت من روعها.. وطلبت منها أن تغلق الخط.. وتأخذ نفساً عميقاً.. وتقرأ بعض صور القران الكريم .. وتتصل بعد ربع ساعة.. اتصلت بي. وفعلت كما طلبت منها.. لهذا وجدتها هادئة من نبرة صوتها وأكثر استعداداً للانطلاق بالحديث معي.. والتحدث في مشكلتها ومعاناتها التي حولت حياتها إلى جحيم بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. قلت: تحدثي وأسمعك.. قالت بنبرة حزن. أحببت زوجي بكل قلبي وجوارحي.. وكنت أغار عليه بشدة حتى من أمه وشقيقاته.. كنت أريده لي وحدي.. إنه ملكي.. نعم هكذا اعتقدت.. عندما يقوم بزيارة أهله اغتاظ.. ولكني كنت أتظاهر بالرضا حتى لا يشعر بانزعاجي.. فهو يحبّ أهله جداً وبالأخصّ أمّه حيث كان يوليها احتراماً ورعايةً كبيرين.. لهذا كنت أنافقها.. وأتظاهر بالحب والتودد لها.. ولكن ما أبطنه عكس ذلك.. في داخلي غلّ وكراهية شديدة وحقد كبير نحوها.. كونها شاركتني في حب واهتمام زوجي.. فأنا لم أستطع أن أفرق بينهما.. ولا أريد أن أحشو رأسه حتى يكرهها أو يقلص من زيارته لها.. فهي أمه.. خاصة أنه متعلق بها.. فإن فعلت ذلك فسوف يكرهني أنا أو يشعر بأنني لئيمة.. فأنا لا أريد ذلك.. ولا أريد أن أخسره.. فهو كل حياتي وحبي الوحيد.. أما قلبي فكان يغلي ناراً من الغيرة والحسد تجاه أمه التي كانت تزاحمني في حبّه ووقته ورعايته.. دفعتني تلك الكراهية والغيرة إلى فكرة جهنمية وهي التخلص نهائياً من أمه بطريقة غير مباشرة حتى لا يشكّ أحد.. وكأن الحادث قضاء وقدر.. فاستغللت وضعها المرضي عندما انتقلنا أنا وزوجي إلى منزلها للقيام برعايتها والاعتناء بصحتها.. وطلب مني زوجي أن اهتم بها وإعطائها الأدوية في وقتها.. وبالفعل نفذت ما طلبه مني.. ولكن ليس كما يجب أن أقوم به.. كنت أتظاهر بالاعتناء بها.. وفي ذات الوقت لم أعطها أدويتها.. كنت أعطيها حبة البنادول أو حبة الاسبرين بشكل يومي على أن ما تتناوله هو علاجها.. واستمررت في ذلك ٣ أسابيع حتى ارتفع عندها الضغط والسكر بنسبة عالية وذهبت في غيبوبة تامة.. وتوفيت بعدها بيومين فقط.. تنفست الصعداء.. كونها رحلت إلى الأبد.. وتخلصت من العائق الذي كان يقف حجر عثرة بيني وبين زوجي.. وأيضاً لأن أحداً لم يكتشف سبب موتها وأرجعوه إلى القضاء والقدر.. وانتهى الأمر على ذلك.. أما زوجي فكان حزيناً جداً على رحيلها.. فأخذت أواسيه وأخفف عنه آلمه وحزنه حتى ينساها تماماً ويتفرغ لي ولابنته..وبعد مضي شهر فقط على رحيلها فهي لا تنفك تأتيني في منامي على هيئة كوابيس.. تضع يدها في حلقي.. ثم تخرج لساني ويبدو طويلاً جداً وتلفه حول رقبتي.. وكان هذا الكابوس يتكرّر بشكل يومي ما يجعلني أصحو من هذا الكابوس فزعة وأحياناً أصرخ وأبكي بشكل هستيري.. ولا أهدأ حتى يهدئ زوجي من روعي.. وما يدري المسكين أنني من تسببت في موت أمه.. بل إنني من قتلتها.. هذه هي الحقيقة التي لم يعلم بها أحد سوى الله سبحانه وتعالى.. ثم تلت الكوابيس من أسوأ إلى أسوأ.. تارة تأتيني أمه في المنام تمسك بيدها عصا تضربني بها حتى أسقط في حفرة تشب فيها النيران.. يلسعني لهيبها لسعاً ما يجعلني أستيقظ من نومي وأنا أشعر بحرارتها الحارقة.. وتارة أجدها تشدني من شعري وتجرني حتى تقف بي عند حفرة من النار وترميني فيها.. وأستيقظ فوراً.. هكذا بات شبح أم زوجي يطاردني في منامي.. فأصبحت أخشى الخلود إلى النوم.. أعتقد أن الله تعالى يعاقبني على ما اقترفت يداي في حق تلك الإنسانة.. والآن مضى على وفاتها ثمانية شهور.. ولم أشعر أبداً بالراحة النفسية كما ظننت.. بك تحوّلت حياتي إلى جحيم لا يطاق .. ليس بسبب الكوابيس المخيفة فحسب وإنما أيضاً لشعوري بأنني مجرمة قاتلة .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.