محمود شوكت وخلع السلطان عبد الحميد الثاني

هحهخ

ماتزال قضية خلع السلطان عبد الحميد الثاني مدار بحث ونقاش طويل، ويلفها الغموض من كل جانب،كونها من الملفات التاريخية المهمة التي لم تكشف كل ابعادها حتى الان،و القت بظلالها وتأثيراتها في مستقبل تركيا ومنطقتنا والى يومنا هذا، فبعد عملية الخلع تداعت اركان السلطة العثمانية وتحللت دولتها وتقاسمت اوروبا تركتها وغنائمها من الدول التي كانت تابعة لها، وطبعا من ضمن هذه التركة الضخمة العراق والدول العربية الاخرى. فتشير الدلائل الى ان مخطط خلع السلطان اشتركت فيه دول وحركات بالظاهر والباطن، واستخدمت فيه وسائل واساليب من كل الانواع السرية منها والعلنية، وحدث ذلك كله في لحظة تاريخية حاسمة كانت فيها الدولة العثمانية توصف بالرجل المريض, وان عملية الخلع هذه لم تكن سوى طلقة الرحمة التي اجهزت على هذه الدولة، وعند التدقيق في تفاصيل هذه العملية وبالذات عندما حانت ساعة الصفر والتنفيذ تتكشف لنا دقائق عجيبة بان المنفذ الرئيس لها هو العراقي محمود شوكت باشا الذي تولى بنفسه تنفيذ الخطة، عندما كان يشغل في حينها منصب قائد الجيش العثماني الثالث ومن خلفه جمعية الاتحاد والترقي، بعدما حاصروا قصر يلدز في اسطنبول مقر اقامة السلطان ومن ثم عزله عن العرش ونفيه, ونصب بدله اخوه السلطان محمد رشاد الذي كان متهما بضعف الشخصية ولربما بالذهول الذهني، واثناء توالي هذه الوقائع المتسارعة وقتئذ، كان اسم محمود شوكت قد تلاشى وسط ضباب جسامة الاحداث، ولم يسلط الضوء على دوره المحوري في التخطيط والتنفيذ. ولربما كان قصد وتعمد من وراء هذا التعتيم يحمل فى طياته اسرارا و ابعادا عميقة وخطيرة لا تقل اهمية عن عزل السلطان،ولعل منها عدم تسليم كرسي الرئاسة التركية لرجل من اصل عراقي، المهم ان هذه القضية الكبرى غيرت من مجرى السياسة الحديث.
من محمود شوكت؟
هو العراقي محمود شوكت بن سليمان فائق بن الحاج طالب كهية، جده طالب كهية كان معاونا لوالي بغداد داوود باشا، لحقه لقب كهية في العهد العثماني وهو لقب وظيفة يعني معاون او نائب الوالي، عين المذكور لهذا المنصب سنة 1238 الى سنة 1239،اما والده سليمان فائق فهو مؤرخ عراقي معروف،شغل منصب كاتب ديوان والي بغداد سنة 1309/ 1891م وهو منصب رفيع في ذلك العهد،وله مؤلفات معروفة منها تاريخ المماليك ومرآة الزوراء ورسائل المنتفق،كان اديبا وكاتبا ومؤرخا توفي سنة 1314/1896م،و ترك من الاولاد :- محمود شوكت مدار بحثنا هذا وحكمت سليمان الذي صار رئيسا لوزراء العراق في العهد الملكي ومراد وخالد . الا ان ناجي شوكت رئيس وزراء العراق في العهد الملكي ذكر لنا في مذكراته وهو يتحدث عن والدته التي هي من هذه العائلة يقول :- اما والدتي فهي فاطمة بنت راغب بك اكبر انجال سليمان فائق بك ابن الحاج طالب كهية.
اما عن اصولهم فان المؤرخ التركي اورخان محمد علي يقول :- ان محمود شوكت باشا 1856م- 1913م ولد في بغداد ومات في اسطنبول قائد تركي ورجل دولة عربي الاصل . ومن هذا النص نستدل ان الاتراك كانوا ينظرون الى محمود شوكت على انه عراقي عربي الاصل وهذا له دلالاته في هذا البحث.
بينما تفرد توفيق السويدي رئيس الوزراء العراقي في العهد الملكي في كتابه وجوه عراقية بذكر لقب هذه العائلة على انهم من بيت ( المسلماني ) وذلك بقوله:- سليمان فائق بن الحاج طالب كهية المسلماني، وبالعودة الى محمود شوكت باشا فهو من مواليد بغداد محلة الحيدر خانة سنة 1273 / 1856م درس مقدمات العلوم ببغداد وذهب الى اسطنبول سنة 1293 /1876م وتخرج من المدرسة الحربية 1298ثم صار رئيس ركن وعين في الاركان الحربية العامة وارسل الى كريد ومصر الى سنة 1299 /1881م ثم عين مدرسا في كلية الاركان وفي سنة 1300 /1882م نال رتبة رئيس اول وبعد سنتين صار مقدما وسافر الى المانيا وفرنسا لشراء الاسلحة، وفي سنة 1315 نال رتبة زعيم وصار رئيسا في دائرة المدفعية وبعد سنتين حصل على رتبة فريق وذهب الى الحجاز لمد خط برق بين الحرمين، وفي سنة 1321 رفع الى رتبة فريق اول وعين واليا لولاية (قوصوة) وبقي فيها الى اعلان الدستور في الدولة العثمانية ثم عين قائدا للفيلق الثالث . وبعد خلع السلطان عبد الحميد صار وزيرا للحربية وحصل على الصدارة العظمى في 17 صفر 1331 واستمر فيها الى يوم مقتله وله مؤلفات في الهندسة والاسلحة والتشكيلات العسكرية . كان كمال اتاتورك ضابطا في هذا الفيلق وتحت امرة محمود شوكت، الذي شارك فيما بعد بجميع تفاصيل خلع السلطان،الا انه حصد كل مجهودات شوكت ليكون رئيسا لتركيا.
نهاية محمود شوكت
بعد الخدمات الكبيرة التي قدمها محمود شوكت لجمعية الاتحاد والترقي ومن يقف خلفها، ونجاحاته الباهرة في السيطرة على اسطنبول وعزل السلطان ونفيه، تمت مكافأته بتعيينه قائدا للجيوش، الاول والثاني والثالث ثم وزيرا للحربية، وبدعم من الاتحاديين صار الصدر الاعظم مع وزارة الحربية وهو اكبر منصب بعد السلطان وذلك في سنة 1913م،وهو في ذروة مجده هذا، وفي احد الايام وهو في طريقه الى مقر عمله فى الباب العالي صبيحة يوم 11/6/1913م مرت جنازة من امامه يحملها ثمانية رجال، فطلب شوكت من سائقه التوقف ليسمح للجنازة بالمرور، وعندما وصل المشيعون بقربه انزلوا النعش واخرجوا منه اسلحتهم وامطروه بالرصاص ليردوه قتيلا في الحال.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.