مواجهة التحديات

ما يثير استغراب المتتبع لأحداثِ البلاد هو ظهور كثير من المهتمين بالشأنِ السياسي المحلي، فضلاً عن عدد من المتابعين لمجرياتِ أزمة البلاد الأمنية، وما يستجد من وقائعِها اليومية، ولاسِيَّمَا الذين يشار إليهم بمختلفِ التوصيفات الَّتِي تعنى بمهمةِ التحليل الأمني والسياسي على الرغمِ من أنَّ الواقعَ الموضوعي لا يعكس باي حالٍ من الاحوالِ قدرة بعضهم على اعتمادِ الواقعية والموضوعية في عمليةِ التحليل.
ولعلّ ما حفزني على تناولِ هذا الموضوعِ هو إشارةِ بعض الذين جرت الإشارة إليهم آنفاً إلى العملياتِ الإرهابية، الَّتِي طالتْ مؤخراً عدداً من مناطقِ البلاد بوصفِها نتيجة مباشرة لحالةِ تشتيت الجهد الأمني على خلفيةِ اتساع جبهة المواجهة ضد عصابات ( داعش ) الإرهابية، الَّتِي تلزم القيادات العسكرية تكثيف انتشار القطعات العسكرية وتوزيعها في مختلفِ قواطع العمليات، وبالتالي اضطرار قيادات المؤسسة العسكرية إلى خفضِ عدد القوات الأمنية بحسبِ هذه الرؤية.
لا تخفى على أحدٍ مأساوية الأحداث، الَّتِي شهدتها في الأيامِ الماضية بعض مناطق البلاد، ولاسِيَّمَا بشاعة ما طال منها مدينتي الشعلة والصدر في بغداد، فضلاً عن مدينةِ المقدادية بمحافظةِ ديالى، إذ عكست وتيرةِ الاعتداءات الإرهابية المتسارعة خروقات أمنية تسببتْ في حصدِ أرواح عشرات المواطنين الأبرياء وإصابة أعداد أخرى، بالإضافةِ إلى الإضرارِ بالممتلكاتِ العامة والخاصة، إلا أنَّ ما خلفته جريمة سيطرة الآثار في مدخلِ محافظة بابل من تداعياتٍ كارثية تجسدت بعددِ الضحايا المغدورين، إلى جانبِ ضخامة كمية المواد المتفجرة المستخدمة في هذا الاعتداءِ الإرهابي الجبان، يلزم القيادات الأمنية بذل أقصى الجهود سعياً في تحقيقِ مآربها المتمثلة بإمكانيةِ الوصول إلى إجراءاتٍ فاعلة بمقدورِ آلياتها تطوير قدرات مفاصلها بما يضمن المساهمة في الارتقاءِ بأداءِ المنظومة الأمنية إلى مستوى ما يقتضي الجهد الأمني من متطلباتٍ تتناسب مع حجمِ المواجهة المصيرية ضد الإرهاب وأذنابه ومموليه وداعميه، إلى جانبِ توفير الوقت والاقتصاد بالجهد.
إنَّ تجاربَ السنوات الماضية، تفرض على إدارةِ المؤسسة الأمنية التعامل مع الملفِ الأمني برؤى أكثر واقعية، لأجلِ إنتاج سياسات مهنية بوسعِ آلياتها مواجهة النشاطات الإرهابية، الَّتِي ما تزال تلحق الألم والمعاناة بحياةِ المواطنين. إذ أنَّ توظيفَ غالبية الجهد الأمني بمهماتٍ تقليدية مثلما هو حاصل الآن في الإجراءاتِ التفتيشية، الَّتِي تتبناها سيطرات أمنية منتشرة في جميع مدنِ البلاد، لا يمكن أنْ تؤدي الغرض المطلوب بفعلِ ضعف فعالية إمكانياتها الفنية وبشكلٍ خاص فشل أجهزة الفحص المعتمدة فيها.
إنَّ مواجهةَ الإرهاب المدعوم دولياً وإقليمياً بأحدثِ التقنيات وأكثرها تطوراً، لا يمكن أنْ تعتمد على استخدامِ البندقية مثلما كان سائدا في حربِ الخنادق إبـّـان الحرب العالمية الأولى، إذ لابد من البحثِ عن سبلٍ أكثر فاعليةً في مهمةِ إعداد مناخات البيئة الأمنية القادرة على الصمودِ بوجه مختلف التحديات، ولعلّ في مقدمةِ هذه الوسائلِ العمل الجاد على تطويرِ الجهد الاستخباري المتعلق بإمكانيةِ الحصول على المعلومةِ في الوقتِ المناسب، بالإضافةِ إلى اعتمادِ أفضل ما متاح من التقنياتِ الحديثة في مجالِ المراقبة والمتابعة مثل أجهزة السونار وكاميرات المراقبة والمناطيد. ويضاف إلى ذلك تبني دوائر الإعلام في المؤسسةِ الأمنية برامج توعوية بالتعاونِ والتنسيق مع الوسائلِ الإعلامية ومنظماتِ المجتمع المدني بقصدِ التصدي إلى الأفكارِ التكفيرية الهدامة والمنحرفة وبحث سبل مواجهتها، بالإضافةِ إلى تكريسِ النشاطات الَّتِي من شأنِها تعزيز الثقة والتعاون، وتقوية الوشائج ما بين المواطنين ورجال الأمن.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.