عاصفة الجعفري وأمواج أبو الغيط ؟

هخحهخحخ

د. علاء مصطفى

المتتبع الفطن للمشهد العربي يشخص بسهولة اندلاع حرب تصريحات، اشعلت فتيلها القناة الدبلوماسية السعودية حين غمزت من نافذة سفيرها في بغداد مشككة بمهنية الحشد الشعبي، ثم أطلقت اعصارها المتعدد الزوايا صوب حزب الله، متهمة اياه صراحة ب”الارهاب” الامر الذي قابله رد عراقي تجسد بكاتيوشا وزير خارجية العراق ابراهيم الجعفري حين اتهم بالارهاب كل من يسيء الى عناوين المقاومة، وهو تطور شطر الصف العربي بشكل علني الى معسكرين: احدها يردد النشيد السعودي واخر مازال في طور التشكل يقف بالضد محاولاً الاستناد إلى منطلقات احترام إستقلالية الدول وعدم تعريض مكوناتها الاجتماعية الى التفكك، فضلاً عن تجنب أضعاف المحور المعادي لاسرائيل لما في ذلك من منفعة للأخيرة.ان حالة الاصطفاف المتضاد داخل الجسد العربي سيخلق ضجة ويثير الغبار تحت قبة الجامعة العربية المشوشة اصلاً! وفي هكذا اجواء مغبرة يتطلب حكمة تعيد استقرارها، وإدارة تجيد فك العقد وإعادة تسليك الخطوط بشكل يحفظ للغة الضاد هيبتها، وهي هيبة تشترط جلوس امين عام يتقن اللعب المتوازن البعيد عن الاصطفافات الضيقة. فهل يتسم احمد ابو الغيط بهكذا صفات؟ وكيف يوظف مهاراته لخلق انطباعات إيجابية لدى جميع العرب فقيرهم وغنيهم؟ وكيف يزيل غشاوة زرقاء رافقته إبان ادارته لدفة وزارة خارجية مصر ابان الربيع المصري-الإسرائيلي؟ مشهد معقد وتساؤلات تجعل من التفكير بلا قيمة أحياناً لتعارضه مع آلية انتاج القرار العربي المستورد في اغلب أوقاته، ولكن ذلك لا يقلل من أهمية تتبع مسار المركب العربي وقراءة الامواج التي تتقاذفه، وهي تتبلور بالاتي:
ان الهجوم على محاور المقاومة اللبنانية المتجسدة في حزب الله بدأت بتلميحات اخوان مصر ابان توليهم لمقاليد الحكم، ثم تطورت الى اتهامات رسمية كويتية للحزب بالمساس بالامن الداخلي ومحاولة توريطه في قضية السلاح الذي عثرت عليه مباحثها، وهي قضية حاول الاعلام السعودي تأجيجها لولا حنكة امير الكويت الذي طوقها، وهي اعاصير هدفت الى تشويش صورة حزب الله ونزع ثوب مقومة اسرائيل عنه بهدف سلخ التأييد الشعبي عنه.اثارة الحملات الدعائية المشحونة عاطفياً عن نشاط حزب الله في سوريا ومحاولة ربط ممارسات النصرة وداعش بعناصره في خطوة لخلق حالة عداء له، وهكذا وظفت الصور والجرائم المرتكبة من الارهاب عبر فنون الإخراج والمنتجة بشكل يثير السخط.توجت موجات التلميح عبر القنوات الرسمية واساليب الحملات الدعائية باتهام رسمي لحزب الله بالارهاب، ثم سعت الى تسويق ذلك الاتهام رسمياً عبر اساليب الضغط وقنوات المصالح المشتركة، ليتبلور في اعلان خليجي تلاه تبنٍ عربي منقوص، وهو نقص اثار ريبة الدبلوماسية السعودية وأشعرها بعدم احتكامها على القرار العربي رغم سيل الإنفاق النقدي والنفطي.
امام حالة التصعيد الرسمي تعاملت المؤسسة الرسمية لحزب الله وشبكة الانصار باسلوب يتصف بالمراوغة وعدم الانجرار الى نزاع مباشر، محاولة التقليل من شأن ذلك بإشاعة عدم تأثيره في قدراتها، وهو اُسلوب مدروس يهدف الى ابقاء قنوات الاتصال بالشعوب فاعلة غير مقطوعة.توظيف حزب الله لأدواته الاعلامية والدعائية للمناوشة واثارة الشائعات التي تتحدث عن نية في إسناد جهود انصار الله في اليمن مما يثير ريبة المحور السعودي، وكذلك التركيز على جهود الاغاثة التي يقوم بها للمناطق المتضررة في سوريا لردم الفجوة المصطنعة إعلامياً.لم يعش المشهد السياسي العراقي في عزلة عما كان يجري وما يحاك من خيوط عنكبوت، بل تلقفت بعض قياداته السياسية الكرة قبل سقوطها واخذت تسرب موقفها عبر قنوات الخطاب، في خطوة لجر المعسكر الاخر لاستجابة اجبارية تكشف ما يضمر لها للرد قبل نضوجه، وهو اُسلوب بان نجاحه على لسان سفير السعودية في بغداد ثامر السبهان حين طعن بمهنية ووطنية الحشد الشعبي، وتصاعد الامر ليتبلور في تصريحات مرتبكة لوزير خارجية الامارات لخصت الموقف من حشد الشعب، وهو الموقف الذي يرى في وجوده اخطار على المشروع المراد قيامه في غرب العرق وشرق سوريا.ان حالة التصعيد المستند الى ستراتيج يهدف الى تفتيت مراكز قوة الخط الممانع للتطبيع مع اسرائيل، فرضت على المؤسسة السياسية الرسمية للعراق التزام المواجهة الكلامية وجعل الخطاب اول منصات دفاعها، وهذا ما تجسد في كلمة الجعفري تحت قبة الجامعة العربية، الذي استغل تسليط الاضواء لينجح في توسيع دوي قنبلته، وبالتالي أوصل رسالة مزدوجة تتضمن وضوح الموقف العراقي وصلابته من جهة، واستمالة جميع الدول المنزعجة من اُسلوب تفرد المحور السعودي بالقرار من جهة اخرى، مما يفتح ابواب تشكيل كتلة معارضة تحيي اجواء النقاش العربي وتبلور مواقف اكثر نضج من تلك التي يفرزها التوافق.ان لهجة الجعفري الصارمة وهو يتهم بالارهاب كل من يتطاول على عناوين المقاومة من حشد شعبي في العراق وحزب الله في لبنان، وما قابله من اعتراض سعودي ممزوج بانفعال بعيد عن الاعراف الدبلوماسية، قوبل بعدم تجاوب الأطراف الاخرى مع هذا الانفعال؛ ينتج صورة عن إمكانية جلوس الأطراف البعيدة عن الجذب الخليجي على طاولة تنظم خطوط المستقبل، وهي طاولة يجب ان تلتئم قبل مباشرة ابو الغيط لمهامه، لان خلفيته توحي بمعارضته لها وسعيه الى ابقاء الجامعة العربية في هامش لا يلحق الضرر بستراتيج تفتيت الموقف العربي واضعاف عناصر المقاومة عبر حروب النيابة.ان انتخاب السيد احمد ابو الغيط وهو يمثل وجه النظام المصري السابق، فيه شق يثير سخط تركيا الاخوانچية، ويغضب المحور العسكري الذي يقاتل على الارض السورية بتأييد خليجي مباشر، مما يثير الريبة من هذا الاختيار وسر صلابته التي تجاوزت زوبعة قطرية هشة، وبلا شك ان هذا الرياح الزرقاء القادمة من تل ابيب قد اخرست من حاول عرقلته، ومن ثم منحته جرعة نشاط ترفع مستوى تكنيكه لحلبة تسعى الى توجيه ضربة قاضية الى حزب الله وسوريا والقوى العراقية ذات النهج الرافض للتطبيع، وهكذا تبرز ملامح الصفحات المقبلة للخيمة العربية، وامام ذلك تعود وبالحاح الحاجة الماسة الى تشكيل كتلة عربية تتفق وما جاء في خطاب ابراهيم الجعفري لضمان التوازن العربي، وبخلاف ذلك يتحول الصف العربي الرسمي الى أيدي تصفق لالسن تقرأ ما يكتب لها بحبر ازرق بلا شك!

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.