من الماضي القريب حكومة السويدي وقانون إسقاط الجنسية عن اليهود في مجلس النواب

 

أجملت الآراء على ان توفيق السويدي لم يكن موفقا في اختيار اعضاء وزارته، وربما تعمد ذلك من اجل السيطرة على قراراتها بسهولة. ويتبين ان الوزارة السويدية الثالثة كانت قائمة على ثلاثة اقطاب، (السويدي والسعيد وصالح جبر)، وهم يمثلون الفئة المؤيدة للسياسة البريطانية دون قيد او شرط حتى وان تعارضت مع مصلحة العراق والاقطار العربية.
اوضحت اطراف عديدة أراءها بوزارة السويدي، فقد وصفها مزاحم الباجه جي: ((ان عدم التجانس في الاراء والاهداف هو طابع الوزارة الحقيقي … ولنفرض ان فخامة رئيس الوزراء هو الذي انتقى زملاءه..اقول مع الاسف الكبير، انه كان انتقاء غير موفق بصدد بعضهم على الاقل)). ويرى محمد رضا الشبيبي ان حكومة السويدي تألفت على صورة لا تتلاءم مع روح الدستور والاوضاع الدستورية.
واكدت صحيفة لواء الاستقلال، ان الوزارة القائمة لم تراع الشعور العام في تشكيلها، فكان طبيعيا ان يقابلها الشعب بوجوم تام، والمتتبع لكيفية تاليفها يتبين من الصيغة السائدة في جمعها ان الرئيس الحقيقي لها هو نوري السعيد وان لم يترأسها رسميا او يتبوأ مركزا فيها.
يلاحظ من خلال الاراء التي طرحت في وقتها لتقييم وزارة السويدي، انها وزارة غير مؤهلة لتنظر في قانون بمستوى (قانون اسقاط الجنسية) وخطورته، فكان لابد من وزارة بهذه المواصفات لكي تمرر القانون بدون عقبات او معارضة، ولم يبتعد احد النواب عن الحقيقة عندما قال: ((ان كل عراقي متنور لا يجد صعوبة في معرفة اتجاه الوزارة وطابعها، فهي تضم عناصر لها طابع الميل الى تأييد سياسة بريطانيا والسير مع المعسكرات الغربية دون ترو ولا تمحص)).
في الثاني من آذار عام 1950، كانت لائحة قانون اسقاط الجنسية جاهزة للنظر فيها في مجلس النواب العراقي. وقبل ان نتطرق الى مناقشة هذه اللائحة في البرلمان، لابد من التوقف عند التساؤل الذي يهم كل باحث عندما يناقش (تهجير يهود العراق). هل كانت اللائحة تمثل حلاً توصلت اليه حكومة السويدي لمواجهة (المشكلة اليهودية) في العراق؟ كما جاء في مبرراتها على لسان وزير الداخلية صالح جبر حين قال: ((تقدمت الحكومة بهذه اللائحة بعد ان تأكد لها ان لا مفر من تقديمها نظرا للوضع الشاذ الذي يسود قسما من المواطنين اليهود، مما يضطر الحكومة ان تتقدم بمثل هذا التشريع … تعلمون ان حركة هروب بعض المواطنين اليهود قد بدأت منذ زمن غير يسير وقد استمرت هذه الحركة آخذة في الازدياد شيئا فشيئا، ولكن كانت لا تتعدى الوضع الانفرادي سواء كان من حيث هروب بعض هؤلاء ام من ناحية المسهلين لهزيمتهم، ولكن هذه الحركة اخذت تتطور مع الزمن تطورا ليس من المصلحة السكوت عنه، فقد اصبح الذين يريدون الهروب وترك العراق نهائيا لا بالأفراد كما كان الحال في الماضي وانما بالعشرات بل وقد تجاوز عددهم المئات في الاسابيع الاخيرة، بصورة غير مشروعة ومخالفة للقوانين المرعية. وربما لاحظ الكثير منكم مراكز بيع الاثاث المنبثة هنا وهناك استعداد للتصفية وللهرب)).
هذه هي اهم الاسباب التي ساقها وزير الداخلية لتبرير صدور قانون اسقاط الجنسية، والملاحظ هنا، ان وزارة السويدي قد شكلت في الخامس من شباط عام 1950، وقدمت منهاجها في السادس عشر منه، وقدمت اللائحة في الثاني من اذار الى مجلس النواب لمناقشتها، هذا يعني ان اعداد اللائحة وما سبقها من اجراءات تمت خلال اسبوعين فقط، وهذه المدة تتناقض مع ادعاء وزير الداخلية من ان اللائحة قد اعدت بحكمة وروية ودقة الى جانب اتصالاته مع وجهاء الطائفة اليهودية للتعاون مع الحكومة لوضع حد للهجرة غير الشرعية. ومما قاله بهذه الصدد: ((عندما تسلمت الحكومة الحاضرة زمام الحكم وكان هذا الوضع سائدا (يقصد الهجرة غير المشروعة) كان لابد لها ان تعالج الامر بحكمة وروية ودقة وبحزم، فأتصلنا ببعض العقلاء من ابناء هذه الطائفة والفتنا انظارهم الى الوضع الراهن والى ضرورة التعاون مع الحكومة للقضاء على هذه الحالة الاستفزازية والرجوع الى امتثال القانون ولكن يظهر ان مهمة هؤلاء كانت صعبة على ما يظهر فلم يستطيعوا ان يعملوا شيئا للحيلولة دون هذا الهرب المنظم غير القانوني..)).
فهل يمكن لحكومة متوازنة وحكيمة، كما يدعي صالح جبر، ان تمهل نفسها مدة اسبوعين فقط لاجراء مفاوضات مع وجهاء الطائفة، وتتخذ اجراءات لوضع حد لمشكلة الهجرة غير الشرعية، وتصدر لائحة تستهدف وجود طائفة تعدادها اكثر من (120) الف نسمة؟ بل ان رئيس الوزراء توفيق السويدي عندما طالبه احد النواب قبل يوم واحد من تقديم اللائحة باتخاذ سياسة حازمة بشان حوادث الهروب، اجاب ان ذلك من اختصاص الوزراء ذوي العلاقة وليس من شأن رئيس الوزراء . وتظهر اللائحة في اليوم التالي مع المطالبة بالمذاكرة عليها على عجل، فاين التروي والحكمة بهذا الاجراء؟.
وبالرغم من ان توفيق السويدي كان في ذلك الوقت يعدّس المع شخصية قانونية في العراق، الا ان اللائحة جاءت غير محكمة من الناحية القانونية، تاركة امورا كثيرة غير محسومة، ابرزها ما يتعلق بالاجراءات الخاصة باموال وممتلكات الذين يرغبون بالتخلي عن جنسيتهم مما وفر لهم فرصة تهريب اموالهم حتى صدور قرار تجميد أموال اليهود في العاشر من اذار عام 1951. مما يدلل ان الذي وضع مفردات القانون لم يراع المصالح العراقية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.