إحتجاجات «الصدري» و «المدني» : تدجين «العلماني» بـ «الديني»

تسعى أطراف سياسية في داخل العملية السياسية وخارجها إلى الاستثمار في التظاهرات والاعتصامات التي دعا اليها التيار الصدري.وبين السعي إلى شق صفوف التحالف الوطني، وتشويه صورة الأحزاب الدينية، تعوّل هذه الجهات السياسية على مكاسب سياسية، والسعي إلى تكريس مفهوم الاحتجاج “المدني العلماني” على الحراك الجماهيري الاحتجاجي الذي يشهده العراق، لكن تحرّك التيار الصدري بجماهيره الواسعة أسقط في يد القوى التي تصف نفسها بـ”غير المتدّينة”، أو “العلمانية” و”المدنية”.وبعد أشهر من التظاهرات في بغداد ومدن أخرى، يبدو إن التظاهرات تتجّه نحو تبنّي التيار الصدري لها، وسعيه إلى احتواء كل الأطياف المشاركة في الاحتجاجات.ولم تجد هذه القوى بُدّ من الانضمام إلى احتجاجات التيار الصدري، إذ أنّ ذلك يغطّي فشلها في الأشهر السابقة المنصرمة في القدرة على الاستمرار في التحشيد بعدما تبيّن إنّ وتيرة الاحتجاج آخذة في التلاشي.وكان متظاهرون يصفون أنفسهم بالمدنيين والعلمانيين، قد رفعوا شعارات ضد الأحزاب الدينية، في البصرة والناصرية، جنوبي العراق، وفي بابل.وانتهزت بعض الجهات، حالات الفساد والتردّي في الخدمات للتشهير بالأحزاب الدينية لاسيما الشيعية منها، على رغم إن العملية السياسية تضم أحزاباً وكتلاً سياسية وشخصيات من اتجاهات سياسية وقوميات ومذاهب مختلفة.وركب متظاهرون موجة التشكيك حتى بالمعتقد الديني برفعهم شعارات لا تنسجم مع توجهات العراقيين الدينية، بل وسعى متظاهرون إلى رفع صورة لرجال دين يقدّسهم الشعب العرقي في محاولة لتشويه صورتهم.كما رُفعت شعارات متطرفة ضد شخصيات دينية لها مكانتها في أوساط المجتمع.وكان ذلك مدعاة لانْ تتحوّل بعض فعاليات التظاهرات إلى أعمال عنف كما حصل في الناصرية و البصرة، حيث حصلت “مناوشات” بين المتظاهرين.لكنّ مراقبين يرون إنّ مشاركة التيار الصدري في التظاهرات لَجَم هذه المحاولات، وجيّرَ الاحتجاجات لصالحه، بل ودجّنَ القوى العلمانية لصالح توجهاته.ويبدو إنّ التيار الصدري كان يهدف إلى الاحتجاج والاعتصام منذ مدة والدليل هو استقبال زعيمه مقتدى الصدر، لعدد من النشطاء المدنيين، ما أدى إلى عزوف بعض المتظاهرين عن التظاهر بسبب الخلط الذي يعتقدونه الناجم عن تداخل “الديني” ﺒ “العلماني”.بعض المتظاهرين، أوضحوا في وجهات نظر، اسمعوها ﻟ “المسلة” إنّ من غير الممكن لجهة سياسية مثل التيار الصدري، لديه أربعون نائباً في البرلمان تحت لواء كتلة الأحرار، وبحوزته ست وزارات ووكلاء وزراء، والعشرات من المديرين العامين، لن يتظاهر ضد نفسه باعتباره جزءا رئيسيا من الحكومة.بالمقابل فانّ نشطاء في التيار المدني و”اليسار” يجدون انفسهم أقوياء بانضمامهم تحت جناح التيار الصدري في تظاهراته، وهو ما جعل أعضاء من الحزب الشيوعي العراقي، بقيادة الناشط المدني جاسم الحلفي يعتدون بالضرب، الجمعة، الماضية، على ناشطين مدنيين في ساحة التحرير، حيث أوضح شهود عيان لـ”المسلة” إن عصابة مسلّحة بتوجيه الحلفي، ضايقت المحتجين واعتدت عليهم، فيما عدّ ناشطون مدنيون هذه المجموعة مليشيا مسلحة، تسعى الى فرض اتجاه معين للتظاهرات بالقوة والبطش.وقال ناشط مدني ان هذه العصابة المسلحة، تضايق على المحتجين الذين يرفضون احتكار جماعة الحلفي للتظاهرات وسعيهم الى “تجييرها” لصالحهم.وكان ناشطون مدنيون طرحوا انفسهم قادة للتظاهرات، قد شكلوا مجموعات بصورة سرية لحمايتهم كما يدعون، لكن هذه المجموعات غرضها تسيير اجندة التظاهرات بالقوة لصالح جهة معينة أبرزها الحزب الشيوعي وجماعات مدنية أخرى تتلقى الدعم من جهات محلية وإقليمية.وعلى ما يبدو فان جاسم الحلفي الذي وجد نفسه في حالة فشل بعد خروج التظاهرات على الحدود المرسومة لها، ومشاركة جماهير أخرى من التيار الصدري وجماعات سياسية أخرى، فبدأ يحاول عبر مجموعة مسلحة أثبات الوجود ولو بالقوة.وتظاهر الآلاف، في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد للمطالبة بإجراء إصلاحات في مؤسسات الدولة ومكافحة الفساد المالي والإداري.ورفع المتظاهرون لافتات تتضمن شعارات تندد بالفساد المستشري في دوائر الدولة والذي نتج عنه تردي الأوضاع الاقتصادية والخدمية والأمنية،وفي حين برز أتباع التيار الصدري بقوة في التظاهرة، فان جماعة الحلفي وتيارات مدنية أخرى تلاشت أمام انصار التيار وكتل سياسية أخرى.وقال متظاهر ناله عنف جماعة الحلفي إن هؤلاء يعيدون إلى الأذهان أساليب العنف التي طالبت العراقيين من بعثيين وشيوعيين، كانوا يقودون الشارع العراقي في عقود مضت.ووفق سياق الأحداث، فانّ شلة الحزب الشيوعي التي تتخفّى تحت عباءة الحركة المدنية تسعى الى كسب المزاج الجماهيري الداعي الى الإصلاح، من دون جدوى، ودليل ذلك ان هذه الأعداد من الشباب التي تسير خلف الحلفي ومن يقف وراءه، لا تتعدى بضع عشرات.ويشعر الشيوعيون بالنقص وفقدان الهيبة مقارنة بأنصار التيار الصدري، وأنصار أحزاب وكتل سياسية أخرى ما دعاهم إلى إخافة الخصوم وترهيبهم وممارسة العنف ضدهم.وهذا الأسلوب العنفي ضد الجماهير ليس بجديد في تاريخ الحزب الشيوعي، اذ لا ينسى العراقيون المذابح وأعمال العنف والقتل التي ارتكبتها زمر “المقاومة الشعبية” المنضوية تحت لواء الحزب الشيوعي العراقي أبان المد الشيوعي في 1959.ومايزال العراقيون يستذكرون أيضا، المذابح التي قام بها “أنصار السلام” و “المقاومة الشعبية” وهم واجهات الحزب الشيوعي العراقي في مدينة الموصل في آذار 1959، ومدينة كركوك في تموز 1959، من قتل وذبح للمعارضين وسحل الجثث في الشوارع وتعليقها على أعمدة الكهرباء، أو دفنهم أحياء.ويبدو أن الحلفي وجماعته يسعون إلى إعادة التاريخ، حين كان مسلحو الحزب الشيوعي في خمسينيات القرن الماضي، يجوبون الشوارع بملابس عسكرية، لمضايقة الناس وإشاعة العنف!.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.