تازة .. شاهد آخر على دموية داعش التكفيري

uioi

مدينة تازة تحمل قصصا تراجيدية ومأساوية مؤلمة، تواصلت فصولها على امتداد عقود من الزمن، ولعل اهلها كانوا يأملون انه مع سقوط نظام صدام في عام 2003، ان يشهدوا عهدا جديدا تختفي فيه رائحة الدماء المراقة، وصور الاجساد الممزقة، والبيوت المهدمة، والنفوس الخائفة، والقلوب المنكسرة، وحتى مع ما تعرضت له المدينة من ارهاب متعدد الصور والاشكال طيلة الاعوام الاثني عشر الماضية، الا ان الامل بغد افضل ظل يراود مخيلة ابناء تازة الطيبين، بيد ان قصف تنظيم داعش الارهابي لتلك المدينة بالغازات السامة مؤخرا، وسقوط اعداد من الشهداء ومئات المصابين، بدد الامنيات والاحلام، وجعلها تذوب وتتلاشى في سموم داعش.كان وقع الصدمة كبيرا جدا على أبناء هذه المدينة ، وما زاد من هولها هو ذلك الصمت العربي والدولي، بينما نجد المحافل والاوساط السياسية والاعلامية والحقوقية الدولية والعربية والاقليمية تقلب الدنيا رأسا على عقب حيال قضايا لا ترقى باي حال من الاحوال الى ما حصل في تازة، ليبدو اننا نعيش الصور والمشاهد القديمة، حينما كان نظام صدام يرتكب ابشع الجرائم بحق العراقيين، وضد بعض جيرانه، والمجتمع الدولي صامت، مثل صمت اهل القبور!. يقطن مدينة تازة الواقع جنوب محافظة كركوك، قرابة مئة الف نسمة، اغلبيتهم من ابناء القومية التركمانية وينتمون الى المذهب الشيعي، ورغم ان بلدة تازه اصبحت في عام 1960 ناحية بموجب مرسوم جمهوري، الا انها ظلت تعاني الاهمال والفقر. واكثر من ذلك الاضطهاد في عهد نظام صدام البائد لاسباب قومية ومذهبية، تداخت معها مواقف سياسية رافضة لذلك النظام. ففي عام 1980 شنت الاجهزة الامنية والحزبية لنظام صدام حملات اعتقالات واسعة في صفوف شباب المدينة، تبعتها حملات اعدام للكثير منهم، وتهجير لعشرات العوائل ومصادرة ممتلكاتها.وتكررت ذات الصور والمشاهد القمعية بعد الانتفاضة الشعبية في اذار- مارس من عام 1991، لتستمر وتتواصل الضغوط بشتى الوسائل والاساليب. وبعد ان طويت صفحة نظام صدام، وتنفس ابناء تازة الصعداء، حالهم حال بقية العراقيين، عادوا بعد وقت قصير ليواجهوا صفحة جديدة من صفحات العنف والقمع والارهاب، لم يختلف عن سابقه الا في العناوين والمسميات والشعارات.ولعل العمل الارهابي الكبير الذي تعرضت له مدينه تازة على يد الجماعات التكفيرية، وقع في العشرين من شهر حزيران-يونيو من عام 2009، حينما فجرت شاحنة مفخخة قرب جامع وحسينية الرسول الاعظم (ص)، لتوقع تسعين شهيدا ومئتي جريح، فضلا عن تدمير عشرات البيوت والمحال التجارية والسيارات، وقد تم في حينه دفن ضحايا كافة ذلك العمل الارهابي في مقبرة واحدة اطلق عليها “مقبرة شهداء الولاية”.ولم يتوقف مسلسل الاستهداف الدموي للمدينة من جماعات الارهاب التكفيري، المتمثل بتنظيم القاعدة، ومن ثم تنظيم داعش.ولا توجد احصائيات دقيقة عن عدد الشهداء والجرحى جراء العمليات الارهابية ضد مدينة تازة، ولكن ما هو معروف وواضح، ان تلك المدينة تعد من بين اكثر مدن ومناطق العراق تعرضا للارهاب، الذي تكلل قبل اسبوع باستخدام الغازات السامة من عصابات داعش.قد لا يختلف المشهد المأساوي الاخير لتازة كثيرا عن المشهد المأساوي الذي عاشته مدينة حلبجة الكردية قبل ثمانية وعشرين عاما، حينما امطرها نظام صدام بالاسلحة الكيمياوية والغازات السامة، ليخلف كارثة انسانية فظيعة.وما لوحظ حتى الان هو ان هناك اطرافا عراقية، من انتماءات قومية ومذهبية وسياسية مختلفة، تعاطت مع مأساة تازة بلا مبالاة، وكأن الامر لايعنيها، لا من قريب ولا من بعيد.والشيء نفسه ينطبق على اطراف عربية واقليمية ودولية، وبعضها معنية بحقوق الانمسان وتوثيق جرائم الحروب والصراعات، والدفاع عن الضحايا وايصال مظلوميتهم الى كل المحافل، ففي الوقت الذي يعج الاعلام العالمي بمتابعة قضايا يدعي انها انتهاكات لحقوق الانسان وابادة جماعية، لم يمر، ولو سريعا، على كارثة تازة.لا شك ان الاجندات والحسابات والمصالح السياسية تفعل فعلها في اتخاذ المواقف، وغالبا ما تكون المواقف المحكومة بالاجندات والحسابات والمصالح السياسية الضيقة والخاصة بعيدة كل البعد عن الموضوعية والانصاف، وهي بدلا من ان تساهم في رفع الحيف عن المظلوم وردع الظالم ومعاقبته، تحول الضحية الى مجرم والاخير الى ضحية.ومن هنا، حسنا فعلت قوى وشخصيات سياسية عراقية، عندما طالبت بتدويل قضية تاز على عدّ ان استخدام الغازات السامة يمثل مؤشرا خطرا على تهديد السلم الدولي بشكل عام، يحتم على الحكومات والمنظمات الدولية تحمل مسؤولياتها وإغاثة المصابين. وقد تبدو تحذيرات البعض من انتقال الجريمة البشعة التي تعرضت لها مدينة تازة إلى مناطق ودول اخرى ان لم تواجه برد حكومي ودولي حازم وسريع، واقعية الى حد كبير، لاسيما ان خلايا الارهاب الداعشي باتت موجودة في كل مكان، وما العمليات الارهابية التي تعرضت لها في العام الماضي وهذا العام، دول اوربية وافريقية واسيوية مختلفة الا دليل دامغ على ذلك.الارهابيون عاثوا فسادا وقتلا وتدميرا في العراق بدعم اطراف اقليمية وعربية ودولية معروفة، واليوم وجد البعض من تلك الاطراف نفسه يواجه آلة التدمير والقتل الداعشية بالسيارات المفخخة والاحزمة الناسفة في عقر داره، واذا كان داعش قادرا على تفجير السيارات المفخخة والاحزمة الناسفة في باريس وانقرة والقاهرة وتونس وغيرها، مثلما يفجرها في بغداد وكركوك وديالى، فهو قادر على استخدام الاسلحة الكيمياوية والغازات السامة في عواصم الغرب والشرق، كما استخدمها في تازة، اذا بقي المجتمع الدولي لائذا بالصمت ومكتفيا بالمراقبة من بعيد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.