الفساد يعيق عملية التنمية وإعادة البناء

لا مغالاة في القولِ إنَّ تراجعَ أداء قطاع الخدمات في العراق، ولاسِيَّمَا الحيوي من فعالياته المتمثل بالخدماتِ الاجتماعية والبلدية، الَّتِي عبرت معطياتها خلال الأعوام الماضية عن ارتباكِ سياسات إداراتها، بالإضافةِ إلى ما عكسته من اختلالاتٍ بنيوية في برامجِ مفاصلِها التنفيذية. إذ أصبحت ظاهرة كبح دوران عجلة التنمية وعملية إعادة البناء تشكل أبرز مظاهر الحياة العامة في محافظاتِ البلاد وعاصمتها بعد تلكؤ أو توقف الكثير من مشروعاتِ بنى البلاد التحتية بفعلِ مختلف صور الفساد وعملياته المنظمة.
إنَّ الواقع الَّذي تقدم ذكره يعبر من دونِ أدنى شك عن خللٍ كبير في إدارةِ الدوائر التنفيذية الحكومية والخاصة على حدٍ سواء في ظلِ ضخامة الأموال، الَّتِي جرى تخصيصها في موازناتِ الأعوام المنصرمة لإقامةِ مشروعات خدمية وعمرانية من شأنها تعويض سكان البلاد عن بعضٍ من محنِ سنوات البؤس والحرمان والضياع الَّتِي عاشها أهل العراق. ولعلّ في مقدمةِ سلبيات المدة الماضية، الَّتِي رافقت تنفيذ أغلب المشروعات الخاصة بتنميةِ قطاعات البلاد وإعادة بناها التحتية هو توقف بعض ما أحيل منها منذ سنواتٍ إلى شركاتٍ أو مقاولين محليين، فضلاً عن انخفاضِ كفاءة أداء كثير من الجهاتِ المنفذة المتعاقدة مع الوزاراتِ والمؤسسات، إلى جانبِ التلكؤ الَّذي ما يزال مرافقاً لمراحلِ تنفيذ مجموعة من المشاريع، ما أفضى إلى تمظهرِ المرحلة الانتقالية بانخفاضِ الأداء في مهمةِ تنفيذ المشروعات المخطط لإقامتِها. ولعلّ أسوأ ما رشح من مخرجاتِ عملية الإعمار في المدةِ الماضية هو تلاعب بعض المقاولين بالمواصفاتِ الفنية للمشروعاتِ المحالة عليهم بقصدِ إنجازها بأقلِ التكاليف، لأجلِ ضمان الحصول على ربحٍ جيد على حسابِ نوعية العمل بعد أنْ أجبروا على تقديمِ رشى قد تتجاوز نصف إجمالي مبلغ المناقصة إلى الوسطاءِ والموظفين!!.
وعلى وفقِ رؤى الباحثين والمتخصصين بشؤونِ الخدمات والعمران، بالإضافةِ إلى آراءِ المواطنين من مختلفِ الشرائح الاجتماعية، يمكن التيقن من أنَّ متابعةَ الأجهزة الحكومية لأداءِ دوائرها، فضلاً عن مراقبةِ مراحل تنفيذ مشروعاتها، ولاسِيَّمَا المحالة بمناقصاتٍ إلى شركاتِ القطاع الخاص متواضع جداً، ما يعكس الحاجة المتنامية إلى وقفةِ مراجعةٍ تعتمد الواقعية والموضوعية في تشخيصِ الانحرافات، الَّتِي خيمت على فضاءِ غالبية المشروعات، فضلاً عن أهميةِ البحث عن مسبباتِ الخلل؛ بالنظرِ لتلاشي فعالية الدور المفترض للإدارةِ العلمية الحديثة. إذ أنَّ بعض المشروعات الَّتِي تجاوزت التواريخ المحددة لتنفيذِها، ماتزال تتقاطع مع المفاهيمِ الإنسانية جراء تسبب تلكؤ الأعمال بحوادثَ مؤسفة، إلى جانب انعكاساتها الَّتِي تؤدي إلى إزعاجِ المواطن، وتجعله متوتراً تحت أنظار ومرأى الجهات المعنية. وتصديقاً لما ذهبنا إليه يمكن الاستشهاد بمطالباتِ المواطنين الحكومة عبر مختلف الوسائل الإعلامية وغيرها من الطرق المشروعة في ضرورةِ الإسراع بتحسينِ مخرجات المتيسر من الخدماتِ البلدية والاجتماعية المقدمة للمواطنين، والمباشرة بتنفيذِ المشروعات الاستراتيجية الَّتِي من شأنِها تأمين المستقبل للأجيالِ القادمة.
إنَّ شيوعَ وعي مجتمعي بمخاطرِ الفساد والمفسدين مرهون في بعضِ جزئياته بقدرةِ الأجهزة التنفيذية المعنية على ترسيخِ سلطة القانون، الَّتِي بوسعِها مكافحة أوكار الفساد المالي والإداري في الدوائرِ والمؤسسات الحكومية بحكمِ ما تمتلكه من إمكانياتٍ بشرية وفنية وتقنية، بالإضافةِ إلى فاعليتِها في المساهمةِ بتعميقِ ثقافة الوطنية والمواطنة. ويقيناً لولا تفشي آفة الفساد، فضلاً عن إخفاقِ الجهات المعنية بتحجيمِ مسبباتها، لما استطاع الطارئون على عالمِ المقاولات أن يدنسوا شرف الوظيفة الحكومية وتأريخ المعمار العراقي، الَّذي كان من جملةِ تداعياته المؤثرة انخفاض كفاءة الأداء، وانحسار معدلات الإنجاز، إلى جانبِ توقف الكثير من المشروعاتِ المهمة بعد أنْ أصبح العمل المنظم حاكماً لصفقاتِ الفساد.
في امان الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.