عندما دخل الجواهري السجن بسبب الكاشير والطاريف عند اليهود

بعد مرور بضعة أشهر على وقوع حركة الإنقلاب التي قام بها اللواء الركن بكر صدقي في 29/10/1936 ، دخل الشاعر محمد مهدي الجواهري السجن لأول مرة في حياته ، لا بسبب دعوة وطنية أو موقف وطني وإنما بسبب ((الكاشير والطاريف)) ، على الرغم من أنه كان من المناصرين لهذا الإنقلاب .
وقد حار الجواهري كثيراً في استيعاب هذه الحالة ، وحاول مراراً أن يصور سجنه وكأنه جاء لأسباب لحوم الكاشير والطاريف ، إلا أنه لم يفلح أبداً في محاولاته هذه .
ولحوم الكاشير هي لحوم من ذبح اليهود بموجب الشريعة اليهودية وأكلها حلال بعكس لحوم الطاريف التي هي من ذبح غير اليهود وأكلُها حرام يهودياً .
وكان الجواهري قد أصدر بعد وقوع حركة الإنقلاب جريدة اتخذ لها اسم ((الإنقلاب)) تيمُّنا بالحركة الإنقلابية ، وقد شاركت في الوزارة التي شكل بعد يوم من وقوع الحركة برئاسة حكمت سليمان ، عناصر وطنية معروفة وفي مقدمتها كامل الجادرجي أن حكمت سليمان يتردد في تنفيذ البرنامج الإصلاحي الذي أعلنه على الشعب ، ثم كان ما كان من اغتيال بكر صدقي في مدينة الموصل، واستقالة حكمت سليمان في شهر آب 1937 .
وبعد أن لاحظ الجواهري أن حكومة الإنقلاب أخذت تبتعد عن أهدافها المرسومة ناصبها العداء ، ونشر مقالات نقداً لاذعاً لسياستها ، وفي هذه الأثناء حدثت انتفاضة الشباب اليهودي في بغداد ضد أسعار لحوم الكاشير الباهظة .
يقول الكاتب حسن العلوي في كتابه ((الجواهري ديوان العصر)) ص 266 ما يلي :
((… لكنه سرعان ما أخذ يهاجمهم حين أداروا ظهرهم لقوى الحركة الوطنية ، ولم يكن بمقدور سلطة الانقلاب أن تفعل شيئاً ضده ، فاستثمرت ((قضية الكاشير)) في انتفاضة قام بها الشباب من فقراء اليهود في العراق احتجاجاً على الحاخام ساسون خضوري (رئيس الطائفة) الموكولة إليه مهمة تسعير اللحوم التي هي من ذبح اليهود ، وكانت الأسعار لا تتناسب مع المستوى المعاشي لفقراء اليهود ، فيما كانت اللحوم هي من ذبح المسلمين تباع بأسعار زهيدة . وقد هدد أصحاب الانتفاضة بأنهم سيأكلون من هذه اللحوم المحرمة يهودياً ، فساند الجواهري مطالب الانتفاضة وتبنّاها في جريدته ((الإنقلاب)) مما أدى إلى إضراب اليهود عن تناول الكاشير فأقام الحاخام ساسون خضوري بتحريض من رجال السلطة، الدعوى على الجواهري وحكم عليه فيما بعد بالسجن)) .
وقد تناول الدكتور سليمان جبران هذا الموضوع في كتابه صل الفلا دراسة في سيرة الجواهري وشعره ، إذ قال في ص 45 :
((لم تدم العلاقة الحسنة بين الجواهري والإنقلابيين طويلاً ، إذ سرعان ما أخذ الشاعر يوجه النقد لوزارة الإنقلاب بسبب تخليها عن الوعود التي قطعتها على نفسها ، فاستغلت الحكومة قضية ((الكاشير والطاريف)) ضد الجواهري لتكون النتيجة دخول الشاعر السجن ، وإغلاق جريدة الإنقلاب أيضاً .
واقتبس الدكتور جبران في كتابه ص 45 فقرة من كتاب نشره الكتاب العراقي سليم طه التكريتي الذي عمل طويلاً مع الجواهري جاء فيها :
((.. إن الشاعر أيد في جريدته فقراء اليهود في نضالهم ضد الأسعار العالية للحوم التي كانوا يشترونها من الجزارين اليهود ، مما دفع رئيس الطائفة اليهودية إلى إقامة دعوى على الجواهري بتهمة التحريض وإثارة الرأي العام ، فحكمت عليه المحكمة بالحبس مدة شهر بهذه التهمة )) .ويذكر أن الجواهري قال في ذكرياته ((الجزء الأول)) أنه سخر من الحاكم ومن الحكم ومن المحكمة ثم حكم عليه بالسجن شهراً آخر لتحقيره المحكمة .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.