سواد

هخعخه

عبد الكريم الساعدي

الرجل العجوز ذو اللحية الكثّة، يتعكّز على أيام خلت، ما زالت عيناه تعانقان لافتات سود، أينما يولّي وجهه، فثمة رائحة جنازة؛ يعتقد أنّه بقي صدفة في الحياة، أنفه الطويل مصدر حزنه المستديم، حتى الأشجار يخيّل إليه أنّها توابيت، لها عطر الموت لا غير. لم يتغيّر من اللافتات سوى لون الخطّ، أصبح أصفر بعدما شاخ البياض وصدئت ملامحه؛ حدّق في إحدى اللافتات، ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة، ملؤها الأسى، الشاب الوسيم الحالم بالهجرة إلى بلاد بعيدة، مات هو الآخر، مثلما مات أبوه في الحرب الأولى؛ يتساءل «أنّى لمثلي يبقى على قيد الحياة، وقد شبع موتاً»؟
ينتفخ غيظاً، يأمل ألّا يعيش حرباً أخرى، يبدو له كلّ الأشياء مثقوبة، تتنفس دخاناً ورعباً، تنفلت من أحد الثقوب رفات جندي مات في عام 1980، وأخرى تطلّ بضفائرها من ثقب آخر، بعد عشرين سنة، يتراءى له أنّ الثقوب مزدحمة بحشد من رفات لا نهاية لها، يرتعب، يفرّ من كوابيس الأمس، يتحصّن خلف ساتر فكرة «سأجعل لافتة نعيي بيضاء، لِمَ لا؟ ربما ستكون آخر لافتة لآخر حرب».
في الصباح يحثّ الخطى برفقة ولده إلى السوق، يشتري قطعة قماش بيضاء، يوصيه بمراده، بيد أنّ رائحة المنايا تحتلّ منخريه، تهاجمه الوساوس، يلتفت فزعاً «أقتيلٌ هناك»؟
يباغته القلق، يحدّق في عيني ولده، يراوغه الحنين لعناقه، يصعقه دوي انفجار أعمى، يلعق أصابع دخان ورماد، يحتضن الفراغ في ظلّ موجة جنون، يقبض على طرف قطعة القماش البيضاء، يقفُ قبالة أشلاء الموتى مرتعشاً، يخلع عينيه، يتسلّق ما تبقّى من دموعه، يحتفي بالمجهول، لا ملاذ يحتمي به، حلكة من أوجاع تطارده. الوقتُ قبل القيامة بقليل، الرصيف يتقيأ رائحة الموت، يتعثّر بصراخ الأشلاء المتناثرة هنا وهناك، قطيع من نواح وعويل يلاحقه، غلالة من وجع تتلو عليه سيرة الرعب. انفرط من محراب الذكرى باكياً، جثة تبحث عن رأس، عين تلهث خلف ثنايا الدمع؛ وقبل أن يرتدي جبة البكاء، طلبه قبرٌ من ضجر، صفق جبهته بكلتا يديه، يتلو بقايا عناق:
ـ محمد، بويه محمد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.