بين طهران وكوبا العالم يتغير… هل نتعلم الدرس؟

132220

كمال خلف

الشعب الكوبي لا يخفي فرحته بعودة العلاقات بين بلاده والولايات المتحدة بعد اكثر من نصف قرن من العداء استمرت كإرث للحرب الباردة بين المعسكر الشيوعي الذي اختارت كوبا الثورة أن تنضم إليه بعقيدة رجال وقادة آمنوا بصدق بنظرية التحرر من الاستعمار وعبودية القوى الرأسمالية (هذه مفردات تلك المرحلة التاريخية) وبين الولايات المتحدة التي أطبقت حصارها على الجزيرة الواقعة بحضنها بإرادة الجغرافيا في مياه الكاريبي بعد محاولات عسكرية للإطاحة بالحكم الشيوعي ومحاولات سرية لاغتيال زعيم الثورة الكوبية فيديل كاسترو روس.وانا اسير في شوارع العاصمة هافانا التي تردد اسمها في انحاء المدن العربية في زمن محاولات التحرر العربية ومناصرة قوى التحرر بعضها بعضا، لا يغيب عن ذهني لحظة أنني في متحف كبير للتاريخ الذي قرأت عنه وتأثرت به ولكنني لم اعاصره، انما في ذات الوقت انا متيقن أنني أقف في هافانا اليوم شاهدا على انعطاف التاريخ في الجزيرة الشيوعية كما نقف كلنا الان شاهدين على ما هو أبعد من التحول في كوبا التحول في الولايات المتحدة نفسها بل في العالم كله.
لم يكن ما جرى في فيينا الايراني من العام الماضي إلا إحدى شارات هذا التحول.
سكتت أصوات التهديد الأمريكي لإيران بضربها عسكريا وتوقفت التقارير الإسرائيلية المسربة من صحافتها عن سيناريوهات الغزو الجوي لإيران لتدمير منشآتها النووية، رفعت القوى الكبرى العقوبات التي فرضتها على إيران فردى وعبر مجلس الأمن الدولي. وبدأ قادة تلك الدول بالتقاطر على الجمهورية الاسلامية لبناء الشراكة الاقتصادية وافضل العلاقات الدبلوماسية لا أحد كان يتصور أن هذا يمكن أن يحدث بعد أن كانت لغة الحرب والتهديد والعقوبات على الجمهورية الاسلامية هي الأقوى، لا يكفي التزامن بين فتح العلاقات بين واشنطن وكوبا وحل الملف النووي الإيراني وعودة إيران للمسرح الدولي للقول أن هذا هو وجه الشبه الوحيد بأن دولتين محاصرتين بالسطوة الأمريكية قد خرجتا للتو من هذا التطويق. ايران مازالت الجمهورية الإسلامية رغم حل أزمتها النووية ورفع العقوبات عنها وكوبا بقيت الجزيرة الشيوعية رغم انفتاح امريكا عليها ورفع الحصار عنها، لم يصرخ الشعب الايراني من وطأة العقوبات ولم يهزم الشعب الكوبي رغم سنوات الجوع جراء الحصار الإقتصادي الأمريكي، ذهبت حكومة إيران في سنوات الحصار إلى الاعتماد على القدرات الذاتية لتطوير قطاعاتها الاقتصادية والعسكرية والبنية التحتية واكتفت كوبا بمحصولها الزراعي لتاكل مستغنية عن كل وسائل الترفيه التكنولوجيإ لا في حدود الاستفادة العلمية، دفعت كلتا الدولتين ثمنا كبيرا مقابل قرارهما المستقل وكرامة شعبيهما لسنوات، إننا اليوم نقف شاهدين على خواتيم الزمن الكوبي الإيراني الصعب، زمن يعيد فيه الغرب صياغة العلاقة مع إيران الثورة، ويذهب فيه أوباما إلى كوبا فيدل كاسترو روس وارنستو تشيه غيفارا.
انها تجربة الأقوياء بشعوبهم ودرس بالكرامة الوطنية واستقلال القرار، بغض النظر عن من يختلف مع إيران أو لا يعجبه نظام الحكم في كوبا. إلا أننا أمام نموذجين فرضا نفسيهما على العالم بصبر والاعتماد على إرادة الشعب. بين طهران وهافانا العالم يتغير، إنها ليست مجرد رغبات لرئيس امريكي يغادر البيت الأبيض ويريد أن يضع في سجله إنجازات لتاريخه الشخصي، هي إرادات لشعوب وقادة، هي عملية انتقال لمراكز قوى، هي عجلة تاريخ يطوي زمنا ويفتتح آخر.
بعد لقاء الرئيس أوباما مع قادة مجلس التعاون الخليجي الاخير في البيت الابيض سربت الصحافة الأمريكية رفض أوباما ابرام اتفاقية دفاع مشترك مع دول الخليج بناء على طلب قادة هذه الدول لأنه كما قالت الصحافة لا يمكن لأمريكا أن تبرم اتفاقية دفاع مشترك مع دول لا تشاركها ذات القيم التي تؤمن بها، أمريكا تؤكد التزامها بحماية هذه الدول، يشن في الوقت الراهن بعض القادة العرب هجوما لاذعا على الإدارة الأمريكية ويتهمونها بالغدر وإدارة الظهر. يتحدث أوباما لمجلة أتلانتك عن جموح حلفائه لعرب ورغبتهم في جر امريكا إلى حرب طائفية في المنطقة لا مصلحة لها فيها. أما آن لنا أن نتعلم الدرس؟، ليتنا نتعلم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.