الرياضة المدرسية تفقد بريقها

تُعَدُّ المدرسة بيئة بناء مجتمعي فاعلة، أوكلت مهمة المحافظة على ثوابت صيانتها إلى إدارةِ التربية، ما ألزمها السعي لتنميةِ برامجها على وفقِ مناهج تعليمية تحدد بوصلتها فلسفة المجتمع، الَّتِي تلزم المتخصصين الركون إلى مضامينِها عند الشروع بإعدادِ الخطط التربوية الخاصة بمهمةِ تنشئة الأفراد بما يفضي إلى غرسِ حب الوطن في قلوبِهم، وترسيخ قيم الانتماء الوطني، الَّذي يتجاوز حدود الذات ومصالحها ومباهجها، فضلاً عن العملِ بجدٍ لتطويرِ قابلياتهم الذهنية والإبداعية من أجلِ إعدادِ جيل متسلح بالمعرفةِ السليمة، الَّتِي بمقدورِها تمكينه من مواجهةِ التحديات المستقبلية. إذ أنَّ المدرسةَ تشكل في واقعِها الموضوعي مؤسسة اجتماعية تربوية تعليمية، ركن المجتمع إلى إقامتِها بقصدِ ترسيخ الثقافة الوطنية، وتعزيز مفهوم المواطنة، وبث الوعي بتاريخِ الوطن وإنجازات رموزه، لأجلِ ضمان اكتسابهم الخبرات وتنمية مهاراتهم، الَّتِي تفرضها مهمة الإشراف على عمليةِ بناء الموارد البشرية المؤهلة لتطويرِ البلاد وتنمية مختلف قطاعاتها.
لا يخامرنا شك في أهميةِ النشاطات المدرسية غير الصفية بتنشئةِ الأفراد وتنمية قدراتهم، بوصفِها فعاليات متصلة بمناخِ التربية والتعليم، بالإضافةِ إلى مساهمتِها في تكاملِ عوامل تنشئة الأفراد الاجتماعية، ولاسِيَّمَا ما يتعلق منها بالنواحي العقلية والنفسية والجسمانية. ولأهميتها في سلامةِ إعداد الأجيال، تعتمد إدارات التربية فعاليات منظمة لتطويرِ قدرات الطلاب في مختلفِ المجالات العلمية والثقافية والرياضية والفنية من خلالِ الاهتمام بإقامةِ المختبرات، مكتبة المدرسة، قاعات النشاط الفني، الساحات والقاعات الرياضية، فضلاً عن الحرصِ على تجهيزِها بما يتطلب عملها من كوادر وموجوداتٍ، إلى جانبِ ترسيخِ آلياتِ ديمومتها وتطويرِ إمكانيات الطلاب بسبلٍ متعددة في مقدمتِها اهتمام الهيآت التعليمية بإجراءِ المنافسات الفردية أو الجماعية، والحرص على تنظيمِها بأحدثِ الطرائق الَّتِي تضمن نجاحها بنسبةٍ مقبولة بالاستنادِ إلى الإمكانياتِ المتاحة للإداراتِ المدرسية بمختلفِ مستوياتها.
إنَّ الرياضةَ في مختلفِ بلدان العالم تشكلُ إحدى أبرز النشاطات، الَّتِي من المفترضِ أنْ تعنى بها إدارات المدارس بوقتٍ مبكر؛ بالنظرِ لدورِها الفاعل في مهمةِ كشف مواهب الطلبة، الَّتِي من شأنِها المساهمة في تحقيقِ منجزاتٍ إبداعية في المستقبلِ عبر زج الطاقات الشبابية بمشروعاتٍ مخطط لها علمياً بقصدِ صقلِها وتطوير ما تحتاج من مهاراتٍ فنية تمكن ممارسيها من الأثراءِ في العطاء، بالإضافةِ إلى تعزيزِ المرتكزات الخاصة ببناءِ الحركة الرياضية، ما يؤكد أهمية المدرسة في المساهمةِ بصنعِ الكفاءات الرياضية المسلحة بالمعرفةِ والثقافة الرياضية، الَّتِي تُعَد معيناً مهماً لرفدِ أندية البلدان الرياضية ومنتخباتها الوطنية بجميعِ الألعاب، فلا عجب من إيلاءِ الدول المتطورة الرياضة المدرسية اهتماماً خاصاً، بل أنَّ بعضَها يعدها من أولوياتِ اهتماماتها، الَّتِي ترتكز عليه مصائر رياضاتها، ما فرض عليها السعي الجاد لتهيئةِ البرامجِ وجميع المستلزمات، الَّتِي بوسعها تطوير مفاصلها، لأجلِ التيقن من ديمومةِ رفدها المجتمع بالنجومِ في مختلفِ ضروب الرياضة.
لا مغالاة في القولِ إنَّ الرياضةَ المدرسية في العراق كانت إلى عهدٍ قريب، ولاسِيَّمَا في العقدينِ الخامس والسادس من القرنِ الماضي متميزة بمخرجاتِها، الَّتِي تجسدت برفدها الأندية الرياضية بكثيرٍ من اللاعبين الَّذين أصبحوا عماد المنتخبات الوطنية على الرغمِ من عدمِ تيسر التجهيزات الرياضية وغياب الإمكانيات الفنية والإدارية نتيجة ضعف الدعم المادي حينئذ، حيث تركت مشاركات فرقنا المدرسية بصمة متميزة في الملاعبِ الإقليمية والعربية، إلا أنَّ إلغاءَ وزارة التربية درس الرياضة بكافةِ مدارس البلاد في بدايةِ تسعينيات القرن المنصرم بالاستنادِ إلى رؤى تنظر إلى النشاطاتِ المدرسية بوصفِها تكملة دروس، أفضى إلى اضمحلالِ الرياضة المدرسية ومن ثم اندثارها!!.
إنَّ إدارةَ التربيةَ ملزمة بإعادةِ الاعتبار إلى رياضتِنا المدرسية بعد أنْ ذهبتْ كثير من مواهبِنا سدى على مدى أكثر من ثلاثةِ عقود من الزمان، فالرياضة المدرسية تشكل في واقعِها الموضوعي مادة تربوية لها مقاصدها الإيجابية، بوصفِها اللبنة الأساسية في مشروعِ صناعة الرياضي النجم.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.