بين العبودية والكفر.. الإنسان والخلود في الجنة أو النار

لالل

لو تدبَّرنا النفس وحالاتها وتجرُّدها لعرفنا أنَّه تعالى لم يخلقها لأن تعيش سنوات ثمَّ تهلك بالمرَّة لأنَّ ذلك خلاف الحكمة الإلهيَّة وخلاف عدالته ومن هنا نشاهد الكثير من الأحاديث تؤكِّد ذلك:فعن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) حين سئل يا أبا عبد الله انا خلقنا للعجب قال: وما ذاك؟ اللّه أنت! قال:خلقنا للفناء. فقال: مَه يا بن أخ خلقنا للبقاء وكيف تفنى جنةٌ لا تبيد ونار لا تخمد ولكن قل إنما نتحول من دار إلى دار”.الباقي ليس هو إلاّ وجه الله سبحانه لصريح قوله تعالى:”كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام”.وهذا لا يعني كما يفهم المجسمون أن الله جل وعلاَ يفنى ويبقى وجهه فقط والعياذ بالله إنما وجه الله صفاته الكريمة،ويفسر ذلك المفسرون بأن
وجه الشيء ما يستقبل به غيره و يقصده به غيره، وهو فيه سبحانه صفاته الكريمة التي تتوسط بينه و بين خلقه فتنزل بها عليهم البركات من: خلق، و تدبير كالعلم، و القدرة،و السمع،و البصر،و الرحمة،و المغفرة،و الرزق .و قوله:”ذو الجلال و الإكرام” في الجلال شيء من معنى الاعتلاء و الترفع المعنوي على الغير فيناسب من الصفات ما فيه شائبة الدفع و المنع كالعلو و التعالي و العظمة و الكبرياء و التكبر و الإحاطة و العزة و الغلبة.
و يبقى للإكرام من المعنى ما فيه نعت البهاء و الحسن الذي يجذب الغير و يولهه: كالعلم، و القدرة، و الحياة، و الرحمة و، الجود، و الجمال، و الحسن، و نحوها و تسمى صفات الجمال كما يسمى القسم الأول صفات الجلال و تسمى الأسماء أيضا على حسب ما فيها من صفات الجمال أو الجلال بأسماء الجمال أو الجلال،فذو الجلال و الإكرام اسم من الأسماء الحسنى جامع بمفهومه بين أسماء الجمال و أسماء الجلال جميعاً.
الإنسان والخلود في الجنة أو النار
فكيف يمكن أن يبقى الإنسان وتبقى الجنَّة والنار؟!،الإنسان يبقى لنهاية عمله إما إلى الجنة وإما إلى النار.أما النار والجنَّة فمنطلقهما هو الصفتان أي “الجلال والإكرام”فجلاله تعالى ظهر في النار كما أنَّ إكرامه ظهر في الجنَّة حيث أنَّها ليست هي إلاّ دار كرامته تعالى وجميع نعمها أيضاً تنطلق من تلك الصفة العظيمة،لا كنعم الدنيا فليست النعم تلك إلاّ ظهوراً لرحمانيته تعالى ومن هنا نلاحظ البونٌ البعيد بين فواكه الدنيا وفواكه الآخرة إذ قال تعالى:”أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون في جنات النعيم على سرر متقابلين”.
فالرزق المعلوم المختصّ للمخلصين من العباد ليس هو الفاكهة بما هي فاكهة حيث لا قيمة لها مادام قد سخَّرها الله ومنحها للخلق أجمعين في الدنيا الدنيَّة فتأكلها الحيوانات بل حتَّى الكفّار والمشركين،بل الأهميَّة لتلك الصفة الإلهيَّة “الإكرام” التِّي صبغت تلك الفاكهة صبغةً روحانيَّة هي أنها ليست متاعاً كما هو المشاهد في فواكه الدنيا.ثمَّ إنَّ الآية التالية أيضاً تدلُّ على ما نحن بصدد إثباته يقول تعالى:”ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلاّ وجهه له الحكم وإليه ترجعون”.
وهاهنا يجب التأمُّل في قوله وإليه تُرجعون لنعلم معنى بقاء الإنسان وعدم فنائه بالمرَّة لأنَّه سوف يرجع إليه تعالى:”إنَّ إلى ربك الرجعى”.
ولو لم نقل برجوع الإنسان إلى ربِّه لما أمكننا أن نتصوَّر بقاءه في الجنَّة أو النار خالداً.ثمَّ إنَّه من المفروض أن يبقي الإنسان خالداً في جوار رحمة الله لا غضبه ولأجل ذلك خُلق الإنسان وقد صرَّحت الآية التالية بذلك:”إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين”.
الرؤية الكونية ورحمة الله
ولا يخفى أنَّ رحمة الله لا تختص بالآخرة بل هي في الدنيا أيضاً فالإنسان الذي لا يعيش الاختلاف والنزاع ولا يعيش كذرات المادة فهو بالفعل مشمول لرحمة الله تعالى لأنَّ حالته النورانيَّة والمعنوية التي اكتسبها تجعله يعيش الذكر الدائم والاطمئنان المستمر والسعادة الحقيقية يقول تعالى:”ألا بذكر الله تطمئن القلوب”.
وذلك لأنه رغم وجوده في الدنيا إلا أنه يعيش عالم الملكوت وينزجر به كما قال أمير المؤمنين (ع) مخاطباً همّام:”لولا الأجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفه عين شوقا إلى الثواب و خوفا من العقاب”.
ومن هنا نراه يستغفر الله بمجرد أن يفرغ من شؤون الدنيا ويتوجه إلى عالم الملك اختيارياً وإن كان هذا التوجه مطلوباً منه تكليف،كما كان أمير المؤمنين(ع) حيث كان يحكم بين الناس وهو على كرسيِّ الخلافة والقضاء فالحكم بين الناس أمر لا بد منه ولكن رغم ذلك كان يعيش في عالم الملك ولو ساعات ومن أجل هذا الأمر كان في قيام الليل وأوقات السحر يبكي حتى يغمى عليه ويتوب كما نقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):”ليران على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة”.
ثم إنه ليس هناك أي انفصال بين هذه الحالة النورانية ونورانية البرزخ والقيامة بل كلها أمر واحد حيث أن عالم التجرد لا تعتريه الكثرة والتفرق فلا زمان يحكمه ولا مكان يحدُّه فالجنة الحقيقية يعيشها المؤمن وهو على الأرض والنار يعيشها الكافر وهو على الأرض. لذلك فالعبودية= الرجوع إلى الله =الرحمة الإلهية
ومن خلال ما ذكرنا اتَّضح أن العبودية المنصوصة في قوله تعالى:”وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”،تعني الرجوع إلى الله والعيش في ظل كرامته المستفادة من قوله تعالى:”أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون”،وهي بنفسها الرحمة الإلهية المذكورة في قوله تعالى:”ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”،وقال إمامنا الساجد (ع):”.. ولم تترك عبادك هملا ولا سدى ولم تدعهم بغير بيان ولا هدى ولم تدعهم إلا إلى الطاعة ولم ترض منهم بالجهالة والإضاعة بل خلقتهم ليعبدوك..”.
العبودية الإجتماعية
وما ذكرناه إنما كان على صعيد الشخص لا المجتمع،عن أبي عبيدة الحذاء قال سألت أبا جعفر (ع) عن الاستطاعة و قول الناس فقال و تلا هذه الآية:”و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك و لذلك خلقهم” يا أبا عبيده الناس مختلفون في أصابه القول و كلهم هالك قال:قلت قوله:”إلا من رحم ربك”،قال هم شيعتنا و لرحمه خلقهم و هو قوله و لذلك خلقهم يقول لطاعة الإمام”.
وعن ذلك يقول الإمام الخميني(قدس سره) حول غاية أفعال الله تعالى من الخلق نكتفي بخلاصة ما ذكره في كتابه القيِّم الأربعون حديثاً:”يقول المحققون من الفلاسفة أنَّه لا توجد غاية لأفعال الله سوى ذاته وتجلِّياتها، ولا يمكن أن يكون لذاته المقدَّسة في إيجاد الأشياء هدف آخر وراء ذاته وظهوره وتجليه المقدَّس،لأنَّ أيَّ فاعلٍ لو أوجد شيئاً بغايةٍ غير ذاته(ما وراء ذاته) مهما كانت تلك الغاية، وإن كانت إيصال الفائدة والمثوبة للغير، أو كانت الغاية العبادة والمعرفة أو الثناء والحمد، كان هذا الفاعل مستكملاً بهذه الغاية وكان وجودها بالنسبة إليه أولى من عدمها، وهذا يستلزم النقص والقصور والانتفاع، وهذا محال على الذات المقدس الكامل على الإطلاق،الغني بالذات والواجب من جميع الجهات،فإذاً لا يُستفسَر عن أفعاله ولا يُوجَّه إليه لِمَ (لا يُسأل عمّا يفعل) وأمّا الموجودات الأخرى فإنَّ لها غايات ومقاصد أخرى غير ذاتها “وذلك لأنَّها ناقصة ذاتاً وفعلاً””وهم يُسألون”.
المطلوب من الإنسان
وقد حان طرح السؤال الرئيس الذي هو في الواقع الحلقة التِّي تربط ما سبق بما سنتحدَّث عنه فيما بعدُ وهذا السؤال هو:ما المطلوب من الإنسان؟ قد ذكر سبحانه وتعالى بصريح القول أنَّه:”وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”.
فالمطلوب منه إذاً هو العبادة لا شيء آخر والسؤال الذي يطرح نفسه أيضاً:”ماذا تعني العبادة ..هل هي الصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها من الأفعال؟،أم هي شيء آخر ما وراء هذه الأفعال والأقوال؟.وهنا عندما نلاحظ كلّ هذه الأفعال نشاهد أنَّ هناك أمراً مُشتركاً يحكمها جميعاً وذلك الأمر المشترك هو النيَّة وينبغي أن تكون تقرُّباً إلى الله ولولا القربة لما أطلق على العمل عبادة أصلاً فإذاً قوام العبادة النيَّة ومن الواضح أنَّ النيَّة ليست من الأعمال الجوارحيَّة بل هي حالةٌ قلبيَّة كامنة في نفس الإنسان؛فإذاً أساس العبادة أمرٌ نفسيٌّ باطنيّ.
ماذا تعني قربةً إلى الله؟
ولا يخفى معنى هذه الكلمة فهي تعني الوصول إلى الله نفسِه والاستقرار في جواره والابتهاج بلقائه، فهذا الأمر ممكنٌ للإنسان ولولا إمكانه لما طلب منه ذلك ولما ذُمَّ تاركه كما تدلُّ على ذلك الآيات الكثيرة والأحاديث المتواترة ولأهميَّة هذا البحث نجعله في عنوانٍ مستقل فنقول:
لقاء الله
بعد أن اتَّضح لنا بأنَّ النفس هي نفحة من نفحات الرحمن ومظهر من مظاهره الذي تجلَّى فيه الجلال والجمال كما شرحنا سابقاً ،وبعد أن عرفنا حقيقة خلق الله ،يمكننا أن نعرف المقصود من لقاء الله الذي يتحدَّث عنه سبحانه في كتابه العزيز،وليس هو إلاّ معرفة الله سبحانه بالقلب الذي يتبع معرفة الإنسان لنفسه،ولا ينبغي لنا أن نَصرف جميع هذه الآيات الصريحة عن ظاهرها اعتمادا على فهمنا القاصر وأذهاننا المحدودة المؤطَّرة بأفكار ربَّما هي ليست إلاّ أوهام متلبِّسة بلباس الحقائق تلك الأفكار التِّي جعلت الكثير يحرِّف الكلم عن مواضعه ويُفسِّر القرآن برأيه.
اللقاء في القرآن والسنَّة
ولا يمكننا الوصول إلى هذا المستوى إلاّ بعد أن عرفنا بأنَّه تعالى كما يقول أمير المؤمنين(ع):”مع كلِّ شيءٍ لا بمقارنة وغير كلّ شيءٍ لا بمزالية”.
فحينئذٍ سوف نعلم أنَّه تعالى هو أوضح من كلِّ شيء حيث أنَّ قوام جميع الأشياء به لأنَّه هو الوجود المطلق الغنيّ بالذات وجميع الوجودات الأخرى فقيرةٌ بالذات إليه “أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد” وبالأحرى ليس هناك إلاّ وجود واحد ظهر في الأشياء والكلُّ تجلِّياته تعالى ومظاهره، والعبد بمقدار معرفته نفسَه وإحساسه فقرَه ومسكنته وأنَّه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً،بنفس المستوى سوف يعرف ربَّه ويصلُ إليه حيث يغفل حينئذٍ عن مشخصاته الفردية وماهيته المحدودة.وهذا سيُّد الشهداء الإمام الحسين (ع) ينادي:تركت الخلق طرّاً في هواكا وأيتمت العيال كي أراكا”.
لذَة الوصال ونار الفراق
إنَّ جميع اللذات الدنيوية إنَّما هي ترجع إلى نفس الإنسان فهي التِّي تلتذ وهي التي تبتهج ولكن حيث أنَّ النفس مسجونة في الجسم نراها بواسطة الحواس الخمس تتعامل مع الأشياء فتنظر إلى الوردة الجميلة فتلتذ من تلك الرؤية فهي في الواقع لا تلتذ من الوردة ولا تريدها كوردة بل النفس تلتذ بالجمال وتحبُّ الجمال فلو فقدت الوردة جمالَها فلا تحبُّها أصلاً،وهكذا بالنسبة إلى كلِّ هالك وآفل،فالمطلوب إذاً هو الجمال والكمال غير المحدود وغير المؤطَّر،وهو الله سبحانه ومن هنا نشاهد النبي إبراهيم(ع) ينفي كلَّ آفل وبالأخير يصل إلى الربّ “وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكوننَّ من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين”. وهنا فإن تفسير هذه الآية يبينه لنا الإمام الرضا(ع)حين سأله المأمون العباسي عنه إذ بين له(ع):فلما جن عليه الليل رأى الزهرة ،قال:هذا ربي،على الإنكار والاستخبار،فلما أفل الكوكب قال:لا أحب الآفلين،لأن الأفول من صفات المحدث لا من صفات القديم.فلما رأى القمر بازغا قال :هذا ربي،على الإنكار والاستخبار،فلما أفل قال:لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين،فلما أصبح رأى الشمس بازغة قال:هذا ربي هذا أكبر من الزهرة والقمر:فلما أفلت قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر،والشمس.يا قوم إني برئ مما تشركون.. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ، وما أنا من المشركين. لذا عباد الله المخلصين يشعرون دائماً بلذة الوصال بما هو سرمدي ليس له بداية ولا نهاية.
لذلك يقول أمير المؤمنين (ع):”ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنتك لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك”.
وفي قبال لذَّة الوصال هناك نار الفراق الذي لا يمكن تصوُّر شدته ذكره أمير المؤمنين(ع) في دعاء الكميل.
قال الإمام قدِّس سرُّه:”إنَّ دعاء الكميل دعاء عجيب للغاية، بعض فقراته لا يمكن أن تصدر من البشر العادي (إلهي وسيدي ومولاي وربي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك) فمن يمكنه أن يقول هذا الكلام؟ من يمتلك هذا العشق للجمال الإلهي بحيث لا يخاف من النار،لكنَّه يخاف أنَّه إذا دخل النار ينزل من مقامه ويصل إلى مرتبة يُحرم من عشقه؟.إنَّه يصرخ من فراق ذلك العشق بالله المجمر في قلبه الذي لا يعمل عملاً إلا من منطلق ذلك العشق”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.