كيف يمكن أن تتحسن علاقة حكومة كردستان وبغداد؟!

تبذل «حكومة كردستان» جهوداً لجذب المساعدات المالية من الولايات المتحدة والجهات الفاعلة الدولية الأخرى، كما أن الأكراد حلفاء موالين للغرب يتمتعون بقيمة استراتيجية. فهم ينفذون الإصلاحات الاقتصادية بوتيرة بطيئة بل ثابتة.لكن في الوقت الذي تبدأ الولايات المتحدة وشركاؤها في التحالف بإرسال المساعدات المالية الطارئة لـ «حكومة إقليم كردستان» شبه المفلسة، فإن هذا الضخ المالي، والذي يبلغ مجموعه على الأرجح أقل من نصف مليار دولار لعام 2016، لن يؤدي سوى إلى تأخير انهيار الاقتصاد الكردستاني ربما لمدة عام. وبالتالي، لا ينبغي أن يتجلى هدف واشنطن في الحفاظ على «حكومة إقليم كردستان» صامدة حتى تحرير الموصل، بل يجب أن يكمن هدفها في توفير ضخ أكبر بكثير من المساعدات المالية التي تستمر في مساعدة الأكراد في المرحلة التي تلي ذلك. يُذكر هنا أن “صندوق النقد الدولي” والمؤسسات المالية الأخرى هي بمثابة المفتاح لهذه المقاربة. فإشراك هذه الجهات في جهود المساعدة لن ينقذ كردستان فحسب، بل سيساهم أيضاً في تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية المستدامة بين «حكومة إقليم كردستان» والحكومة الاتحادية العراقية.في الوقت الحالي، توظف «حكومة إقليم كردستان» 1.4 مليون شخص من سكان الإقليم الذين هم في سن العمل والذين يبلغ عددهم 2 مليون شخص، بتكلفة قدرها 793 مليون دولار شهرياً. لذلك تخطط أربيل لتقليص هذا الرقم إلى 361 مليون دولار خلال ستة أشهر من خلال خفض الرواتب. وتشمل النفقات الشهرية الأخرى الدعم الحكومي للوقود والكهرباء (حوالي 375 مليون دولار وهذا الرقم آخذ في التراجع)، وتكاليف الحرب (حوالي 197 مليون دولار)، وتكاليف تصدير النفط (حوالي 70 مليون دولار). بالإضافة إلى ذلك، أدى وجود عدد كبير من النازحين واللاجئين، الذي وصل إلى 1.8 مليون شخص (مقارنة بعدد السكان الأصليين الذين يبلغ 5 ملايين شخص) إلى اضطراب الاقتصاد لدرجة يصعب قياسها كمياً. فحتى إذا بدأت آثار الإصلاحات الاقتصادية تتجلى وبدأت تكاليف الحرب تُخفض ببطء، من المرجح أن يبقى على «حكومة إقليم كردستان» تحمل مصاريف شهرية تبلغ قيمتها 800 إلى 850 مليون دولار تقريباً.وفي النصف الثاني من عام 2015، بلغ متوسط مبيعات النفط في «حكومة إقليم كردستان» 629 مليون دولار شهرياً وفقاً لوزارة الموارد الطبيعية. ومن المرجح أن تؤدي أسعار النفط المتراجعة واضطرابات خطوط الأنابيب إلى إبقاء العائدات عند هذه المستويات المنخفضة أو حتى تقلصها أكثر من ذلك (على سبيل المثال، لم تبلغ عائدات النفط في الشهر الماضي سوى 303 ملايين دولار بسبب مشاكل خط الأنابيب). فـ «حكومة إقليم كردستان» مدينة بالفعل بـ 25 مليار دولار وسيستمر هذا الدين في الزيادة بحوالي 200 مليون دولار شهرياً إذا استقرت أسعار النفط الحالية. ومع عدم صرف رواتب العديد من موظفي الخدمة المدنية منذ أربعة أشهر، يتزايد احتمال قيام إضرابات واضطرابات وتسارع وتيرة الهجرة. وما لم ترتفع أسعار النفط بشكل غير متوقع عن المعدل الحالي الذي يبلغ 40 دولارا إلى 60 دولارا على الأقل للبرميل الواحد، ستستمر «حكومة إقليم كردستان» بالتأخر في صرف رواتب الموظفين ودفع التزامات الديون إلى الدائنين المحليين وتجار النفط الدوليين.من جهتها، ستوفر الخطة الحالية القائمة على إرسال مساعدات بعشرات ملايين الدولار إلى «حكومة إقليم كردستان» بعض الراحة الاقتصادية وتُبقي على القدرة التشغيلية لشرائح معينة من مقاتلي قوات البيشمركة. مع ذلك، قد لا تتيح هذه الخطة الوقت الكافي لإجراء الاصلاحات واستعادة الجدارة الائتمانية لـ «حكومة إقليم كردستان» وإعادة الاستثمار في البنية التحتية وتجنب عدم الاستقرار.كيف يمكن للمساعدات الدولية أن تغيّر الأمور؟ خلافاً لحكومة العراق الفيدرالية، التي تمتلك احتياطيات تبلغ قيمتها 50 مليار دولار، لا تتمتع «حكومة إقليم كردستان» بالاحتياطيات حيث هي عبارة عن كيان شبه سيادي، ما يعني أنه لا يمكن لها أن تحصل على حزم المساعدات المالية الضخمة من معظم المؤسسات الدولية بشكل مباشر. بيد أن الحزمة التي من المرجح أن يقدمها “صندوق النقد الدولي” لبغداد قريباً، والتي ربما تتراوح قيمتها ما بين 6 و 10 ملايين دولار والتي سيتم صرفها ما بين العامين 2016 و2018، مصممة لمساعدة كافة محافظات العراق الثمانية عشر، بما فيها المحافظات الثلاث التي يتكون منها «إقليم كردستان». وبالمثل، كان للاستثمارات الحديثة لـ “البنك الدولي” في العراق عنصراً كردستانياً، مثل خطة تحسين الطرق التي تبلغ تكلفتها 255 مليون دولار والتي تمول المشروعات الاتحادية وبعض المشاريع الصغيرة في «إقليم كردستان».ويتم حالياً تطبيق “البرنامج المراقب من قبل الموظفين” الذي أعده “صندوق النقد الدولي” (كبادرة ممهدة لترتيبات احتياطية ممولة بالكامل) وهو معني بالإشراف على تنفيذ العراق لالتزامات الميزانية والتأكد من أن الدولة تقوم بعمليات الادخار المتفق عليها من دون تراكم المزيد من المتأخرات المستحقة للدائنين المحليين والدوليين. ويشمل ذلك مراقبة ما إذا كانت «حكومة إقليم كردستان» تحصل على حصتها من العائدات، والتي من المرجح أن تفسرها بغداد على أنها عبارة عن 17 في المائة من صافي الإيرادات الفعلية شهرياً بعد خصم المصاريف السيادية الضخمة (ويعني ذلك، للشؤون الدفاعية والبرلمان والمؤسسات الاتحادية الأخرى). بيد أنه، ومن أجل المطالبة بنصيبها من الميزانية الاتحادية وحزم المساعدات الدولية، يتعين على «حكومة إقليم كردستان» استئناف نقل 550 ألف برميل من النفط يومياً إلى مسوّق النفط الاتحادي، على النحو المتفق عليه في الميزانية. وحينذاك سيطمح “صندوق النقد الدولي” إلى أن يرى أن العراق يقوم بتخفيضات متفق عليها بين الجانبين في الميزانية، ولا يقوم بمجرد الوصول إلى أهدافه عن طريق اقتطاع حصة جزء من البلاد، أي «حكومة إقليم كردستان»، من خطة الإنفاق.وفي إطار أسعار النفط ومستويات التصدير العراقية الحالية، يمكن لـ «حكومة إقليم كردستان» أن تتوقع الحصول ربما على 350 مليون دولار شهرياً مقابل توفير 550 ألف برميل من النفط يومياً، إضافة إلى مبلغ إضافي بقيمة 150 إلى 270 مليون دولار شهرياً من حزم المساعدات المقدمة إلى بغداد من “صندوق النقد الدولي” والمؤسسات الأخرى ودول مثل ألمانيا واليابان. كما ويمكن منح الأكراد بعض الحرية لتصدير أي فائض من النفط خارج إطار النسبة التي التُزم بها والتي تبلغ 550 ألف برميل يومياً. ويمكن للنتيجة الصافية أن تكون أفضل بالنسبة إلى «حكومة إقليم كردستان» من الاعتماد الكامل على الصادرات المستقلة للمدة المقبلة الممتدة على سنتين أو ثلاث سنوات. وحتى الأفضل من ذلك، سيلقى هذا الترتيب الدعم من نظام رصد دولي، وهي أول اتفاقية من نوعها للأكراد منذ أن منحتهم الأمم المتحدة حصة بلغت 17 في المائة من عائدات النفط مقابل الغذاء في التسعينيات.وفي جميع الاحتمالات، سيكمن التحدي الرئيسي في التوصل إلى مثل هذا النوع من الاتفاق في الحصول على موافقة بغداد. فقد سعت الحكومة المركزية لسنوات إلى منع «حكومة إقليم كردستان» من تصدير النفط بشكل مستقل، ولكن منذ عام 2014 أدركت أن تحمل عبء موظفي «حكومة كردستان» الذين يبلغ عددهم 1.4 مليون موظف هو استنزاف خالص للميزانية الاتحادية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.